منى
10-25-2002, 08:30 PM
الدكتورة باسمة الشمري
جامعة الكوفة / كلية الاداب
ان العصر الذي شهد ولادة أفذاذ من التراجم الاصلاء، حافظوا على التراث العربي الإسلامي واكملوا مسيرة أسلافهم، عصر يستحق من الباحثين المراجعات والقراءات والمتابعات الكثيرة التي تكشف حجم الجهد الذي بذله هؤلاء في ترجمة التراث اليوناني على وجه الخصوص الى العربية ومن ثم نشره الى عموم أوربا والعالم0 وقد بلغ حجم هذا العمل الكبير الذي يدعونا الى قطع جزء منه والخوض فيه، اخترنا منه الترجمات المنطقية التي تعد واحدة من الترجمات الفلسفية اليونانية، التي قد بلغ فيها الجهد أقصاه عند هؤلاء الأفذاذ الذين عرفنا التاريخ القديم على أسمائهم وعناوينهم ومكانتهم في زمانهم وطبيعة الأعمال التي كانوا يقومون بها حتى وصلتنا على الشكل الذي وجدنا، الأمر الذي يدعونا الى الاعتراف بفضلهم علينا0 فقد كانت جهودهم بين ترجمة وشروح وتعليقات وتصحيح0 أما الأسس التي اعتمدوها فكانت ذات منهج علمي يفوق مناهجنا الحالية الأمر الذي ادى بهم الى تأسيس مؤسسة كبرى أسموها بيت الحكمة التي تساوي اليوم إحدى الأكاديميات العلمية المتعددة الأقسام ذات المكانة العالية، اذ يسعدنا اليوم ان نطلع على مكانتها ودورها الفريد في حفظ التراث الإسلامي وأحاطته بسياج العلمية والمنهجية والدقة والوضوح0 إذ لم يكن العصر العباسي صاحب الازدهار العلمي وحده وإنما يعود ذلك الى نهاية العصر الأموي وعلى وجه الخصوص عهد خالد بن يزيد بن معاوية المعروف برائد العلم العربي الذي أجمعت المصادر، على انه أول من أمر بترجمة التراث اليوناني الى العربية، فضلاً عن تعريب ما نقل من اليونانية الى السريانية أو القبطية، ويعد بحق الرائد الأول في نقل العلوم الى اللغة العربية0 وقد أشار مؤلف الأعلام الى خلقه وزهده في الخلافة وورعه وشغفه بالعلم وتقربه من العلماء0 فكانت تلك بداية الحركة العلمية التي امتدت بعد ذلك الى الدولة العباسية وعلى يد هارون الرشيد الذي أسس بيت الحكمة العباسي، ووضع على رأسه يوحنا بن ماسويه الطبيب والمترجم0 ولم يزدهر بيت الحكمة ولم يكتسب صفته الأكاديمية إلا على يد سابع الخلفاء المأمون0 إذ أتحف ملوك الروم بالهدايا سائلاً إياهم ان يعطوه ما لديهم من كتب الفلاسفة فارسلوا اليه عدداً كبيراً، أقام على ضوئه أركان أكاد يميته التي ألحق بها مكتبة ضخمة وداراً للترجمة ضمت عدداً من المترجمين ووضع على رأسه حنين بن اسحق النسطوري تلميذ يوحنا بن ماسويه الذي عرف عنه إتقانه اللغات اليونانية والسريانية والفارسية، مع تمكنه من العربية، وكان فصيحاً شاعراً بهاإذ بذل المأمون له العطايا والأموال وجعل بين يديه كبار المترجمين والعارفين باللغات، فبدأت بذلك حركة الترجمة للتراث اليوناني0 وحث المـأمون الناس على قراءته فارتفع في زمانه الجدل وأطلقت حرية الكلام وتعددت وسائل العلم والمناظرة حتى لاحت في الأفق أعلام الفلسفة الإسلامية التي جعلت من المترجمين أنفسهم شراحاً ومفسرين ومؤلفين ونقاداً لاذعين0 والفضل الأكبر يعود الى السريان، إذ لما كانت السريانية لغتهم الأصلية فقد ادخلوا الى العربية مفردات وتعابير جديدة لم تكن مألوفة من قبل – كما يشير خليل الجر - لدى الكتاب العرب حتى ان هذه الترجمات أحدثت في العالم العربي انقلاباً فكرياً وثقافياً ولغوياً منقطع النظير في تاريخ الحضارة الإنسانية يفوق الانقلاب الذي أحدثته النهضة في أوربا خلال القرن الخامس عشر الميلادي، الأمر الذي اكسب بيت الحكمة دورين مهمين :
أحدهما : دور الحامل للرسالة اليونانية الى العالم في الوقت الذي كانت فيه من القلة في اوربا0
الثاني : دور الفاعل المؤثر بما انتج وأبدع الذي أشار اليه (رينان) إشارة عابرة دون ان يكلف نفسه عناء البحث0 وجاء من بعده (اوليرى وكارادفوا)، ومن حذا حذوهما، وحتى هذه اللحظة لم تظهر دراسة وافية تبين دور السريان في بيت الحكمة العباسي المتضمن نقل التراث اليوناني الفلسفي الى العربية وتوضيح الاتجاه الذي اتخذه هؤلاء، والعناصر التي ادخلوها0 ومن هؤلاء نذكر حنين بن اسحق، واسحق بن حنين، وأبو بشر متي، ويحيى بن عدي وآخرين الذين عنهم اخذ العرب مبادئ الفلسفة اليونانية في ترجماتهم وشروحاتهم ومصنفاتهم0 إذ لم يكن هؤلاء سوى مكملين للتقليد الذي بدأه (سرجيس الرأسعيني وثيوفيلوس الرهاوي، وجورجيوس اسقف العرب)، وما مدرسة بغداد إلا امتداد لمدارس الرهاو، ونصيبين وقنسرين، وحران، وجند يسابور، ولا يفوتنا ان نعود بالذكر الى حنين بن اسحق النسطوري رئيس دار الترجمة الذي به ارتفع شأن بيت الحكمة فهو وحده مؤسسة كاملة للترجمة0 إذ أشارت المصادر الى ان عدد ما ترجمه يربو على المائة كتاب ويزيد، إذ كان يترجم الى السريانية ويترجم ولده اسحق الى العربية، فكانت هذه الترجمات لا تترجم الى العربية مباشرة وهذا يشمل العهد الأول من عهود الترجمة التي دخل بها بيت الحكمة الى المصنف الضخم (المكتبة الشرقية) المؤلّف من قبل السمعاني في حدود (1719 – 1725)، والذي بهر به السمعاني شعوب أوربا لما حمل فيه من التعريف الراقي بكنوز الشرق العلمية وحركة الترجمة والإبداع في العصر العباسي، فصارت بغداد بذلك عاصمة العلماء ومركزها بيت الحكمة مركز الإشعاع العلمي لحضارة الشر.
جامعة الكوفة / كلية الاداب
ان العصر الذي شهد ولادة أفذاذ من التراجم الاصلاء، حافظوا على التراث العربي الإسلامي واكملوا مسيرة أسلافهم، عصر يستحق من الباحثين المراجعات والقراءات والمتابعات الكثيرة التي تكشف حجم الجهد الذي بذله هؤلاء في ترجمة التراث اليوناني على وجه الخصوص الى العربية ومن ثم نشره الى عموم أوربا والعالم0 وقد بلغ حجم هذا العمل الكبير الذي يدعونا الى قطع جزء منه والخوض فيه، اخترنا منه الترجمات المنطقية التي تعد واحدة من الترجمات الفلسفية اليونانية، التي قد بلغ فيها الجهد أقصاه عند هؤلاء الأفذاذ الذين عرفنا التاريخ القديم على أسمائهم وعناوينهم ومكانتهم في زمانهم وطبيعة الأعمال التي كانوا يقومون بها حتى وصلتنا على الشكل الذي وجدنا، الأمر الذي يدعونا الى الاعتراف بفضلهم علينا0 فقد كانت جهودهم بين ترجمة وشروح وتعليقات وتصحيح0 أما الأسس التي اعتمدوها فكانت ذات منهج علمي يفوق مناهجنا الحالية الأمر الذي ادى بهم الى تأسيس مؤسسة كبرى أسموها بيت الحكمة التي تساوي اليوم إحدى الأكاديميات العلمية المتعددة الأقسام ذات المكانة العالية، اذ يسعدنا اليوم ان نطلع على مكانتها ودورها الفريد في حفظ التراث الإسلامي وأحاطته بسياج العلمية والمنهجية والدقة والوضوح0 إذ لم يكن العصر العباسي صاحب الازدهار العلمي وحده وإنما يعود ذلك الى نهاية العصر الأموي وعلى وجه الخصوص عهد خالد بن يزيد بن معاوية المعروف برائد العلم العربي الذي أجمعت المصادر، على انه أول من أمر بترجمة التراث اليوناني الى العربية، فضلاً عن تعريب ما نقل من اليونانية الى السريانية أو القبطية، ويعد بحق الرائد الأول في نقل العلوم الى اللغة العربية0 وقد أشار مؤلف الأعلام الى خلقه وزهده في الخلافة وورعه وشغفه بالعلم وتقربه من العلماء0 فكانت تلك بداية الحركة العلمية التي امتدت بعد ذلك الى الدولة العباسية وعلى يد هارون الرشيد الذي أسس بيت الحكمة العباسي، ووضع على رأسه يوحنا بن ماسويه الطبيب والمترجم0 ولم يزدهر بيت الحكمة ولم يكتسب صفته الأكاديمية إلا على يد سابع الخلفاء المأمون0 إذ أتحف ملوك الروم بالهدايا سائلاً إياهم ان يعطوه ما لديهم من كتب الفلاسفة فارسلوا اليه عدداً كبيراً، أقام على ضوئه أركان أكاد يميته التي ألحق بها مكتبة ضخمة وداراً للترجمة ضمت عدداً من المترجمين ووضع على رأسه حنين بن اسحق النسطوري تلميذ يوحنا بن ماسويه الذي عرف عنه إتقانه اللغات اليونانية والسريانية والفارسية، مع تمكنه من العربية، وكان فصيحاً شاعراً بهاإذ بذل المأمون له العطايا والأموال وجعل بين يديه كبار المترجمين والعارفين باللغات، فبدأت بذلك حركة الترجمة للتراث اليوناني0 وحث المـأمون الناس على قراءته فارتفع في زمانه الجدل وأطلقت حرية الكلام وتعددت وسائل العلم والمناظرة حتى لاحت في الأفق أعلام الفلسفة الإسلامية التي جعلت من المترجمين أنفسهم شراحاً ومفسرين ومؤلفين ونقاداً لاذعين0 والفضل الأكبر يعود الى السريان، إذ لما كانت السريانية لغتهم الأصلية فقد ادخلوا الى العربية مفردات وتعابير جديدة لم تكن مألوفة من قبل – كما يشير خليل الجر - لدى الكتاب العرب حتى ان هذه الترجمات أحدثت في العالم العربي انقلاباً فكرياً وثقافياً ولغوياً منقطع النظير في تاريخ الحضارة الإنسانية يفوق الانقلاب الذي أحدثته النهضة في أوربا خلال القرن الخامس عشر الميلادي، الأمر الذي اكسب بيت الحكمة دورين مهمين :
أحدهما : دور الحامل للرسالة اليونانية الى العالم في الوقت الذي كانت فيه من القلة في اوربا0
الثاني : دور الفاعل المؤثر بما انتج وأبدع الذي أشار اليه (رينان) إشارة عابرة دون ان يكلف نفسه عناء البحث0 وجاء من بعده (اوليرى وكارادفوا)، ومن حذا حذوهما، وحتى هذه اللحظة لم تظهر دراسة وافية تبين دور السريان في بيت الحكمة العباسي المتضمن نقل التراث اليوناني الفلسفي الى العربية وتوضيح الاتجاه الذي اتخذه هؤلاء، والعناصر التي ادخلوها0 ومن هؤلاء نذكر حنين بن اسحق، واسحق بن حنين، وأبو بشر متي، ويحيى بن عدي وآخرين الذين عنهم اخذ العرب مبادئ الفلسفة اليونانية في ترجماتهم وشروحاتهم ومصنفاتهم0 إذ لم يكن هؤلاء سوى مكملين للتقليد الذي بدأه (سرجيس الرأسعيني وثيوفيلوس الرهاوي، وجورجيوس اسقف العرب)، وما مدرسة بغداد إلا امتداد لمدارس الرهاو، ونصيبين وقنسرين، وحران، وجند يسابور، ولا يفوتنا ان نعود بالذكر الى حنين بن اسحق النسطوري رئيس دار الترجمة الذي به ارتفع شأن بيت الحكمة فهو وحده مؤسسة كاملة للترجمة0 إذ أشارت المصادر الى ان عدد ما ترجمه يربو على المائة كتاب ويزيد، إذ كان يترجم الى السريانية ويترجم ولده اسحق الى العربية، فكانت هذه الترجمات لا تترجم الى العربية مباشرة وهذا يشمل العهد الأول من عهود الترجمة التي دخل بها بيت الحكمة الى المصنف الضخم (المكتبة الشرقية) المؤلّف من قبل السمعاني في حدود (1719 – 1725)، والذي بهر به السمعاني شعوب أوربا لما حمل فيه من التعريف الراقي بكنوز الشرق العلمية وحركة الترجمة والإبداع في العصر العباسي، فصارت بغداد بذلك عاصمة العلماء ومركزها بيت الحكمة مركز الإشعاع العلمي لحضارة الشر.