المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زواج المتعه ...كتاب ممنوع...لفرج فوده


اخر العنقود
12-31-2004, 08:42 PM
قبل أن أبدأ أعلنها واضحة صريحة ...

لست داعية لزواج المتعة ...

ولست موافقًا عليه ...

ولست قابلاً به لبنات أسرتى وبنات المسلمين...

ولست أدعى الفقه والتبحر فى العلم, فما أنا إلا مسلم يجتهد فى دينه لدينه, لذا فليس لى رأى شخصى قاطع فى الخلاف حول المتعة, لكنى أدعى الأمانة فى عرض الرأى والرأى الآخر, وأدعى القدرة على بذل الجهد فى القراءة والاطلاع, ومنذ أعلنت عن قرب صدور هذا الكتاب, والسؤال لا ينقطع من الأصدقاء عن سبب كتابته, ومن حق القارئ أن يستمع إلى الإجابة ...

لقد كتبت هذا الكتاب للأسباب التالية..

أولاً: الحقيقة ضالة المؤمن, والطريق الصحيح إلى الحقيقة لابد وأن يمر بالتعرف على الرأى والرأى الآخر, ولا يكون أبدًا بطمس آراء الآخرين أو تسفيهها أو الهروب من مواجهتها إما جهلاً بها أو استعلاء عليها أو رفضًا للنتائج من البدء ...

ثانيًا: إن أسوأ خصائصنا الفكرية ـ فى تقديرى ـ تتمثل فى الاعتقاد بالصواب المطلق, حتى فى فروع الفروع وتفصيلات التفصيلات, واعتقاد هذا شأنه لابد وأن ينعكس فى نتيجة منطقية, وهى الاعتقاد بالخطأ المطلق لمن يختلف معنا, أما أسوأ خصائصنا ( التفكيرية ) فهى أسلوب التفكير أحادى الاتجاه, حيث لا سبيل للحقيقة غير أسلوبنا فى التفكير, ولا احترام لأسلوب الآخرين, ولا اعتقاد بأن لهم منهجًا وعقلاً و أسانيد, فالمنهج لدينا هو ما ننهج, والعقل فى مفهومنا هو ما نعقل, والأسانيد فى تصورنا هى ما يساند أفكارنا ومنهجنا ونتائجنا .. والكتاب فى مجمله محاولة فكرية وتفكيرية مختلفة تمامًا, وهو ما سيكتشفه القارئ, ولعله يكتشف من خلاله خطأ منهجنا فىالفكر والتفكير..
ثالثًا: يعجبنى قول لصديق عزيز ـ كثيرًا ما نعرف كيف نتفق بيد أننا لم نعرف بعد كيف نختلف ـ والحوار الذى يعرضه الكتاب محاولة فى هذا السبيل, واجتهاد فى اكتشاف مالم نعلمه ونتعلمه بعد ...
رابعًا: كثيرًا ما سألت نفسى وانا أجتهد فى القراءة حول الموضوع لعدة سنوات ـ كيف تخلو مكتبتنا الدينية والفكرية من أمثال هذه الموضوعات الدسمة فكريًا وفقهيًا, رغم خطورتها وكثرة وعمق الخلاف حولها, فى الوقت الذى تمتلئ فيه مكتباتنا بكتب عن عذاب القبر ونعيمه, وفتنة المسيخ الدجال, وأوصاف المهدى المنتظر, وأحاديث الخضر عليه السلام, وأحوال الجان ومراتبهم, وحكم زواج الإنسى بالجنية, إلى آخر الكتب التى لا طائل وراءها ولا أصيل فقه ولا سليم اعتقاد ولا انفتاح ذهن, ولعل هذا الكتاب يسد جزءًا من فراغ أحسبه قائمًا, ولعله جهد يستحق, وإن كان الحكم على ذلك للقراء ...



خامسًا: كثيرًا ما يحدث للقارئ كما حدث لى أحيانًا, وهو يستعرض رأى هذا فيراه صادقًا, ورأى ذاك فيراه موثقًا, ثم يعود لرأى جديد للأول فيقتنع به ثم يقرأ رأيًا معاكسًا للثانى فيستمسك به, أن يصل إلى موقف تشتبه عليه فيه الأمور, ويجد نفسه فى منطقة شائكة بين الحل والحرمة وفى مثل هذه المواقف كنت أسأل نفسى, هب أننى اجتهدت فحسبته حلالاً, أكل حلال واجب التباع؟ ...

أحسب أنه سؤال خطير, وأخطر ما فيه أنه يطرح السؤال العكسى فى المقابل, وأحسب أيضًا أن مثل هذا السؤال يجب ألا يظل مكتومًا أو حائرًا, ولسوف يجده القارئ عنوانًا لكتاب قادم, وبغير عرض أصل الخلاف وآراء المختلفين, يصبح مثل هذا السؤال نوعًا من الترف الفكرى لا مبرر له ولا منطق, بيد أنه فى أعقاب هذا الكتاب يأتى مبررًا تمامًا ومنطقيًا بغير شك, وما أحسب إلا أن القارئ سوف ينشغل بالمقدمات والنتائج بقدر ما انشغل ذهنى, بل الأدق أن أقول, بقدر ما اشتعل, وهذ المبرر وحده يكفينى ...



سادسًا: إن خطورة قضية ( زواج المتعة ) تستند إلى أسباب عدة:

1. مأزق الحاجة لاجتهاد معاصر,

2. خطورة الاستناد لاجتهادات عصور سابقة,

3. مأزق الدعوة للعودة إلى الجذور دون مراجعة,

4. وهم اليوتوبيا ( الجنة على الأرض ) فى عصور خلت,

5. مأزق استلهام النص وحده دون إعمال العقل,

6. مأزق الفصام بين الأصولية والمعاصرة, فالأولى نقل, والثانية عقل وتوفيق بينهما وارد وممكن لكن ليس فى ظل مانراه من انغلاق فكرى أو فكر انغلاقى,

7. المأزق الذى يقود إليه تقييم نصوص السن على أساس السند وليس المتن,

8. الأسى لخلاف المسلمين دون طائل يُجنى سوى تمزق الصفوف, ودون محاولة لرتق الخلاف وتلافى أسبابه,

9. ضياع الحقيقة بين الجهل والتجهيل والتجاهل من الفريقين,

10. مأزق التناقض بين قضية فحواها الإباحة ومضمونها الحرية وبين اجتهادات أخرى فى قضايا تتصل بها, فحواها القيد ومضمونها التشدد, وهو مأزق لا بد وأن يشغل ذهن القارئ منذ البدء وحتى الختام, وأن تثير القضية ويطرح الكتاب كل هذه المآزق والمشاكل والقضايا, فإن كتابته تصبح واجبًا ومسئولية, ونشره يصبح ضرورة وأمانة فى عنق الكاتب لابد وأن يفى بها مهما كانت العواقب ...



وأخيرًا لعلى أجبت على المتسائلين, ولعلى مضطر إلى أن أعيد على مسامع القراء مرة أخرى ما بدأت به هذه المقدمة, ولو أُتيح لى أن أُعيده ألف مرة لأعدته ...
قبل أن أبدأ أعلنها واضحة صريحة ....
لست داعية لزواج المتعة ...
ولست موافقًا عليه ...
ولست قابلاً به لبنات أسرتى وبنات المسلمين...
ولست مستعدًا ... فى نفس الوقت أن أطمس حقًا من أجل إسترضاء الآخرين, أو أن أتنكر لمسئوليتى ككاتب من أجل إرضاء الآخرين ...



والله والحق من وراء القصد ...
مصر الجديدة ـ 6 أغسطس 1990


الباب الأول
زواج المتعة
فى السنة والقرآن
" لا أعلم شيئًا أَحلّه اللَّه ثُم حرّمه, ثُم أحَلّه ثم حرّمه, سوى المتعة ...."
الإمام الشافعى



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول

زواج المتعة ونصوص السنة


مقدمة الفصل
ما عرفت موضوعًا أرقنى وأرهقنى مثل هذا الموضوع, وحسبى أن أذكر للقارئ أننى ظللت أقرأ عنه, وأحاول كتابته ثلاثة أعوام كاملة وفى كل مرة كنت أمزق ما كتبت, رغم أننى عادة لا أكتب إلا بعد أن تختمر الفكرة فى ذهنى, وساعة أن أضع القلم فى يدى ينتهى الأمر, ويصعب علىّ أن أبدّل كلمة واحدة, لكنى هذه المرة كنت أبدّل وأغير, وأمزق وأعيد الكتابة وأبتهج وأنا أقرأ, وأنزعج وأنا أكتب, وأتعجب فى كل الأحوال, وكم عبرت عن عجبى بتساؤلات ما زلت عاجزًا عن إجابتها,

كيف أهمل كل طرف ما أورده الطرف الآخر وهو غير قابل للإهمال,

وكيف ارتضوا لأنفسهم أن يصلوا إلى النتائج دون تمعن فى حجج المخالفين,

وكيف لم يتوقفوا كثيرًا أمام موضوع من أخطر الموضوعات,

وهل كان عذرهم أن دلالات قبولهم بزواج المتعة خطيرة,

لأنها لا تتناسق مع ما ألفناه منهم من احترام لنصوص وردت فى كتب السنة وفى تفاسير القرآن وفى أقوال كبار الفقهاء,

وأن موقفهم فى الحالتين صعب, وليس موقفهم وحدهم, بل موقف كاتب هذه السطور, وهو أيضًا موقف القارئ إن استكمل قراءة الموضوع, لأن أصعب ما يمر به صاحب الفكر أو التفكير أن يكشف أن ما يتعاطف معه وجدانيًا ليس بالضرورة هو الصواب, فقد يكون وقد لايكون, وأن الصواب المطلق أحيانًا عسير المنال, خاصة إذا كان لدى الطرف الآخر من المنطق بقدر ما لدينا من الشك, وعنده من الحجج بقدر ما عندنا من علامات الاستفهام.



حسنًا .... ليس الأمر أمر لوم أو تساؤل بقدر ما هو أمر تمهيد لرياضة ذهنية ما أظن أن لها نظيرًا فى قضية فقهية أخرى, فطرفا الحوار مختلفان أشد الاختلاف,

فالسنة ترى أن المتعة حُرمت إلى الأبد,

والشيعة ترى أن المتعة حلال إلى الأبد,

والسنة تستند إلى مراجعها المعتمدة من صحاح وسنن ومسانيد وتفاسير,

والشيعة تبالغ فى استعراض قوة حججها بالاستناد إلى نفس المصادر, والاعتماد على أحاديث واردة فيها أيضًا,

والطرفان يحتكمان إلى نفس الآيات القرآنية, لكنهما يخرجان منها بتفسيرات ودلالات لا تلتقى أبدًا ولا تتفق مطلقًا, بل يخرج هذا بعكس ما يخرج ذاك ويؤكده, ويخرج ذاك بنقيض تفسيره هذا وبسنده,

وكل طرف يلقى بحجته فتظنها نهاية المطاف فإذا بالطرف الآخر يثبت لك أنها بدايته وأنها مردود عليها بل كأنها لم تكن,

وكل رأى لكل طرف مهما بلغت وجاهته له رد يبدو لك وكأنه لا رد عليه,

فإذا بالرد عليه جاهز وإذا بدحضه ممكن,

وإذا بك بعد عشرات الآراء والردود تعود إلى نقطة البدء من جديد.



ما الذى يطمع فيه القارئ أكثر من ذلك؟,

وهل هناك أمتع من مناقشة قضية يرى أحد طرفى النقاش أنها بغاء لا شك فيه, بينما يرى الطرف الآخر أنها زواج لا شبهة فيه,

فإذا استمع القارئ إلى حجة هذا اقتنع بها, ثم إذا استمع إلى حجة ذاك وجدها مقنعة, ثم إذا بهذا يرد على ذاك ومعه حق, فإذا بذاك ينتقد هذا ومعه حق, وهكذا لا يصل القارئ إلى قرار إلا وتراجع عنه ولا يقتنع برأى إلا وتخلى عنه, ولا يصل فى النهاية إلا إلى ما بدأ به, هذا يراه بغاء عن اقتناع, وهذا يراه زواجًا ويعرض حجته عن إقناع, وما على القارئ إلا أن يختار, ليس كما يقول أحد الشعراء المعاصرين, ما بين الجنة والنار, بل بين اختيار واختيار,

وهو حائر فى اختياره على ما نظن, فهو إن رفض زواج المتعة فحجته أن جمعًا من كبار الصحابة وأئمة التابعين قد رفضوه, ومنهم عمر وعبدالله بن الزبير, والأئمة الخمسة, أبو حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل وزيد, وغيرهم كثير,

وما أظن أن هؤلاء يجتمعون على خطأ أو ينتصرون لباطل,

وهو إن قبل بزواج المتعة فحجته أن جمعًا آخر من كبار الصحابة والتابعين قد ناصروه, منهم عبدالله بن عباس , عبدالله بن مسعود, وأبىّ بن كعب, وابن جريج, وقتادة, وسعيد بن جبير, وسعد بن المسيّب, والإمام جعفر الصادق, وباقى الأئمة الإثنى عشر وغيرهم كثير,

وما أظن أن هؤلاء أيضًا يجتمعون على خطأ أو ينتصرون لباطل,

وأغلب الظن ان الله قد اراد برحمته أن يظل هذا الموضوع مثارًا, بل مثيرًا للخلاف, لحكمة ربما كشفتها لنا الأيام؟؟؟.



لقد خطر لى وأنا أكتب هذا الموضوع أن أمارس تجربة جديدة فى الكتابة, أشرك فيها القارئ معى ومع طرفى الحوار, بحيث لا يغيب القارئ ولا الكاتب عن إطار المحاورة, وبحيث يتدخل الكاتب حين يشعر بضرورة ذلك ليس من خلال طرفى الحوار, بل من خلال صفته كطرف ثالث مستقل يراقب الحوار الدائر ولا تغفل عينه عن القارئ منذ البداية وحتى الختام,

على أمل أن يتسع صدر القارئ للحوار معى وللمشاركة منذ البدء فى صياغة منهج العرض والتحليل, وهو منهج غريب استرشدت فيه بأسلوب الرسامين حين يخطون ما يسمون ( اسكتش ) بالقلم الرصاص, ثم يضيفون الألوان بعد ذلك وأقصد هنا ( بالاسكتش ) أننى تصورت كيف سيدور الحوار ومن الذى سيبدأ وكيف سيكون الرد, ثم متى تأتى الحجة التالية وكيف يقود الرد عليها إلى حجة جديدة , وهكذا.



وأكثر من هذا فقد كتبت مختصرًا لهذا التصور حتى لا أنساه, وما إن شرعت فى تلوين اللوحة, وأقصد بالطبع كتابة أسانيد كل طرف عند عرضه لوجهة نظره, حتى واجهت مشكلة صعبة تتمثل فى أن بعض الأسانيد مثل الأحاديث النبوية الواردة فى مصادر متعددة, أو التفسيرات القرآنية أو الآراء الفقهية, يمكن أن تشغل مساحة واسعة خلال عرض الرأى, ولكونها توثيقًا لا أكثر, ونتيجة أيضًا لطول بعضها ولتكراره, فإن وضعها بين سطور الحوار يؤدى إلى فقد القارئ لذة المتابعة للحجة والحجة النقيض, وغياب سلاسة العرض وسرعة إيقاعه, وقد خطر لى أن أكتب الأسانيد فى المذكرات التفسيرية, فوجدتها سوف تبتلع مساحة الصفحات, وفكرت فى نقلها لنهاية الفصل بعد تمامه فوجدتها ستبتعد عن السياق, وهنا خطر لى أن أفعل شيئًا آخر, وهو ما أسميته بالمداخلة وأقصد بها قطع الحوار فيما يشبه الاستراحة, ثم المداخلة بذكر أسانيد الطرفين مع تمييز كتابتها بخط مختلف يحيث يمكن للقارئ أن يراجعها إذا أراد, أو أن يعبرها مستكملاً الحوار إذا شاء,



لا شك أننا أطلنا فى المقدمة, ولا شك أن القارئ يتعجلنا للبدء فى شوق, ولا شك أننا لسنا أقل شوقًا منه لاستعراض حجج الطرفين:



***********************

سؤال و جواب
ما هو زواج المتعة؟.

هو زواج لأجل ( زواج مؤقت ) مقابل أجر ( مهر ) يُتفق عليه بالتراضى ( ولو كان قبضة من تمر أو من دقيق ).



ماذا يحدث إذا انتهى الأجل؟.

ينتهى الزواج بغير طلاق.



وهل هناك حد أدنى أو أقصى للأجل؟.

لا, فقد يكون الأجل ساعة أو ساعات, يومًا أو أيامًا, شهرًا أو شهورًا, سنة أو سنوات.



هل يثبت بهذا الزواج النسب؟.

نعم, يثبت به نسب الأبناء, وميراثهم أيضًا ...



وهل ترث الزوجة؟.

لا, إلا إذا اشترطت ذلك عن الزواج ...



هل تستحق الزوجة نفقة؟.

لا, إلا إذا اشترطت ذلك عند الزواج.



وهل زواج المتعة محدد بعدد؟.

لا, ليس محددًا بعدد بعكس الزواج الدائم المحدد بأربع زوجات ...



ما معنى هذا؟.

معناه: أنه لا حد لعدد زوجات المتعة, وقد روى عن ابن جريج فقيه مكة الشهير أن تزوج شبعين بالمتعة تأكيدًا لحِلّها ...



وهل يجوز تجديد المدة بعد انتهاء الجل؟.

نعم, يجوز تجديد المدة مرة ومرات بعد انتهائها دون حاجة لمحلل ..



وكيف ينعقد الزواج؟.

ينعقد الزواج بلفظ من ثلاثة تذكره الزوجة ( زوجتك أو أنكحتك أو متعتك نفسى ) ...



وهل لزواج المتعة أحكام تفصيلية أخرى؟.

نعم, لزواج المتعة أحكام تفصيلية أخرى يستطيع القارئ الرجوع إليها فى مراجع الفقه الشيعى.



ماهى المراجع الشيعية؟.

المراجع الشيعية متعددة ومنها:

v المختصر النافع فى فقه الإمامية للشيخ أبو القاسم ـ دار الأضواء ـ بيروت.

v إسلامنا فى التوفيق بين السنة والشيعة: للدكتور مصطفى الرافعى ـ مؤسسة الأعلمى للمطبوعات ـ بيروت.

v روح التشيع: للشيخ عبداله نعمة ـ دار الفكر اللبنانى ـ بيروت.

v نقض الوشيعة: للإمام السيد محسن العاملى ـ مؤسسة الأعلمى للمطبوعات ـ بيروت.

v المراجعات: للإمام عبد الحسين الموسو ـ دار علاء الدين ـ بيروت.

ونوصى بقراءة الكتب الثلاث الأخيرة لسعة العلم ووضوح العرض وبلاغة الأسلوب واعتدال المنهج وهى من اهم ما استندنا إليه من مراجع.



ما معنى ماسبق؟.

معناه: أن المسلم يستطيع أن يتزوج مسلمة أو كتابية, بعقد زواج محدد المدة ( ساعة مثلاً ), مقابل مبلغ معين ( خمسة جنيهات مثلاً ) يتفقان على, فإذا انتهت المدة, انتهى الأمر بغير طلاق.



***********************

ويبدأ الحوار السنى الشيعى


[ 1 ]
هنا يفرك أهل السنة أيديهم فى سعادة وطرب, ويرددون:

الحمد لله, يكفينا هذا المثال, ولسنا فى حاجة إلى حوار وأخذ ورد, فالأمر أوضح من أن يُناقش,

هل يتصور عاقل أن ماسبق يمكن أن يكون زواجًا؟,

وهل يقبل أحد ان يحدث هذا لابنته أو أخته أو قريبته؟

هذا ليس زواجًا إلا إذا ألغينا عقولنا وصادرنا ضمائرنا, هذا بغاء, بغاء, بغاء ...



ü فيرد الشيعة:

يؤسفنا أن نبدأ الحوار هذه البداية, فالأمر ليس أمر عواطف أو مشاعر أو عبارات ثقيلة, بل هو أمر نصوص وقواعد ووثائق وأحكام دين, ووصفكم للمتعة بأنها بغاء لا يسئ إلينا فقط, بل يسئ إليكم أيضًا لأنه يسئ إلى الإسلام الذى نتبعه جميعًا, وإن اختلفت بنا السبل.

إنكم أول من يعلم أن المتعة قد اُبيحت فى عهد الرسول ومارسها الصحابة, فهل يجوز بعد ذلك أن تصفوها بالبغاء.

عودوا إلى مراجعكم التى تستندون إليها فى احكامكم الفقهية,

عودوا إلى صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن ابى داود وابن ماجه والنسائى والترمذى والدارمى وموطأ مالك ومسند ابن حنبل,

وسوف تجدون فيها جميعًا توثيقًا بأن الرسول قد احل المتعة فى حياته,

وأن بعض الصحابة مارسوها برخصة من الرسول,

وأن الأحاديث, حتى التى تستندون إليها فى تحريم المتعة متضافرة على أن الرسول قد أحلها من قبل ...



**************

[ 2 ]


فيرد السنة:

بل متضافرة على التحريم فى أكثر من حديث, وفى أكثر من زمن ...



ü فيرد الشيعة:

هذا يؤكد الحقيقة الأولى التى نود أن نتفق عليها معًا, وهى ان زواج المتعة قد أحل فى عهد الرسول وهو ما يجب أن ننتهى فيه إلى حسم, إن بعضكم يذكر أن المتعة كانت من أنكحة الجاهلية وأن تحريم الرسول لها يمثل نهيًا عن ممارسة خطأ جاهلى وهو ما يتناقض مع ما تذكرونه الآن, لأن الرسول قد حرمها كما تثبت الأحاديث فى أكثر من مكان وأكثر من زمان ( سبع مواضع وسبعة أزمنة ) ولا يعقل أن يحرّم الرسول أمرًا لم يحله, خاصة عندما يتكرر التحريم,

فالتحريم مرتين معناه الحل فيما بينهما,

وأقوى أحاديثكم التى تستندون إليها فى تحريم المتعة ( تحريمًا مطلقًا ) كما تدعون هو حديث معبد بن سبرة الجهنى عن أبيه سبرة, وهو الحديث الذى تكرر فى صحيح مسلم بطرق مختلفة إحدى عشر مرة, وتكرر أيضًا فى كتب السنن والمسانيد,

يذكر فيه سبرة أن الرسول قال: ( يا أيها الناس إنى كنت قد أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ... إلى آخر الحديث ).

وحل المتعة هنا واضح على لسان الرسول وهو أوضح على لسان سبرة فى بداية روايته للقصة التى تبدا بالعبارة التالية: ( أذن لنا رسول الله بالمتعة فانطلقت أنا ورجل .. إلخ ),

والبخارى فى صحيحه يذكر أحاديث المتعة تحت عنوان ( باب نهى رسول الله عن نكاح المتعة آخرًا ) وتعليق ابن حجر العسقلانى فى كتابه فتح البارى على لفظ ( آخرًا ) فى نهاية العنوان مضمونه أن ذكر هذا اللفظ يعنى إباحتها أولاً,

وإذا كان ذلك مفهومًا ضمنًا من عنوان البخارى,فإن عنوان الباب المناظر فى صحيح مسلم أكثر وضوحًا فى إثبات حله فى عهد الرسول صراحة حيث يذكر أحاديث المتعة تحت العنوان التالى: ( باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ, ثم أبيح ثم نسخ, واستقر تحريمه إلى يوم القيامة ), والعنوان واضح فى تأكيد إباحة المتعة فى عهد الرسول مرتين ( فى رأى مسلم ),
وهناك العديد من الأحاديث التى تثبت حله ليس فى عهد الرسول فقط, بل فى عهد أبى بكر وصدر عهد عمر بن الخطاب الذى كان وراء تحريمه فى اعتقادنا.
مرة أخرى حتى لا تتوه الحجة ... المتعة أحلها الرسول ومارسها الصحابة فى عهده بإذن منه,


هل تعترضون على هذا أم تعترفون به فى بداية الحوار؟.



**************

[ 3 ]


فيرد السنة:

ما ذكرتموه لا يستحق فى تقديرنا التوقف, لأن هدفنا ليس العرض التاريخى, وإنما هدفنا هو التوصل إلى رأى فقهى قاطع فى شأن تحريم المتعة إلى يوم القيامة على لسان الرسول, ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لدينا أنه حرمها تحريمًا قاطعًا إلى يوم القيامة,

ولسوء حظكم أن الرسول لم يحرمها فى موضع واحد,

بل حرمها فى سبعة مواضع أخرها حجة الوداع.

تحريم قاطع سبع مرات وتجدون لديكم الجرأة على المخالفة,

يالله, لو كان حرمها مرة واحدة لاستطعتم الهرب منها بالتشكيك فى الحديث أو الواقعة أو الرواة,

لكنها مرات متعددة, تذكر كتبكم أنها سبع مرات,

وكأن الله أراد برحمته أن يتكرر نهى الرسول ليس مرة واحدة ولا مرتين بل سبع مرات حتى تحيط بكم دائرة التحريم, وحتى تضيق بكم السبل, ولو استطعتم إنكار واقعة أو اثنتين فأين تهربون من البقية ... هذا هو ما يهمنا ... التحريم القاطع والمتكرر, ولا يغنى عنكم استنادكم إلى الحل فى زمن سابق لأن التحريم اللاحق يكفى لزواله, ويكفينا للرد عليكم ...



ü فيرد الشيعة:

أسوأ ما يفعله المحاور أن يلقى بالحجة متصورًا أنها لصالحه, ثم يكتشف أنها ضده ولصالح الطرف الآخر, وهذا ما فعلتموه الآن لا أقل ولا اكثر وسوف نثبت لكم هذا.

لكننا قبل ذلك نود أن نرسى أسسًا للحوار, منها رفض المراوغة أو المكابرة فى الحق ...

لقد أثرنا تساؤلاً فى البداية لا نريد تجاوزه قبل أن نوفى إجابته حقها,

وهو التساؤل عن حل المتعة فى عهد الرسول, ونحن نعتبر إجابتكم تسليمًا بحجتنا,

ولو عارضتم فى ذلك لتوقفنا كثيرًا حتى نثبته لكم, وإثباته هين ويسير, ولو سلمتم به لتجاوزناه إلى مناقشة حجتكم فى التحريم,

فما رأيكم: نتوقف ونرد أم نتجاوز ونستمر؟ ...



**************

[ 4 ]


فيرد السنة:

بل استمروا ...



ü فيرد الشيعة:

حسنًا, ووصفكم للمتعة بأنها بغاء, بغاء, بغاء ...

هل يتفق مع إباحة الرسول لها فى حياته؟ ...

وممارسة بعض الصحابة لها؟...



**************

[ 5 ]


فيرد السنة:

يبدو أنكم تريدون مصادرة الحوار فى بدايته بالتلكؤ عند الجزئيات وتحاولن التوقف عند الحِلّ فى حياة الرسول هربًا من مواجهة التحريم القاطع المؤبد, والمتكرر بما لا يترك منفذًا للمراوغة ...

حسنًا .... سوف نغلق عليكم باب المراوغة بوصفنا لما أحله الرسول بأنه متعة, لكن إتيانه إذا ثبت تحريم الرسول له يدخله فى باب الغاء ...



ü فيرد الشيعة:

إذًا ثبّت ...



**************

[ 6 ]


فيرد السنة:

نقول لكم تكرر التحريم أكثر من مرة على لسان الرسول وفى أكثر من مكان, وفى أكثر من زمان باعترافكم فى مراجعكم أن التحريم قد تكرر سبع مرات فى سبعة أزمنة وتقولو إذا ثبت التحريم, تقصدون إنكاره؟.



ü فيرد الشيعة:

أولاً: ما ذكرناه فى مراجعنا عن الأحاديث الواردة بتحريم الرسول للمتعة فى سبعة مواضع وسبعة أزمنة كان حصرًا لما ورد فى مصادركم ليس عن اقتناع به بل لإثبات التضارب وعدم المعقولية فى الروايات التى نعتقد بالأدلة العقلية أنها مدسوسة على الرسول وإن كانت منسوبة إليه, وهذا ما سوف نثبته.

ثانيًا: إن قولكم بأن الرسول قد حرمه فى سبعة أزمنة وسبعة أمكنة امر لا يستقيم, وحجة عليكم وليست لكم, بسبب بسيط ومنطقى وهو أن تحريم الرسول لها سبع مرات لا يحتمل إلا وجهًا من وجهين,

· الوجه الأول أنه حرمها ثم أحلها ثم حرمها ثم أحلها وهكذا سبع مرات كاملة, وهذا لا يستقيم منطقيًا ولا سابقة له ولا مثيل,

· أما الوجه الثانى فهو أنه حرمها سبع مرات ولا ذكر للحل فيما بين المرات السبع, ومعنى هذا أن المسلمين قد خالفوه ست مرات, وهذا أسوأ, لأن المخالفين هنا هم الصحابة.

وواضح أيضًا أن المخالفة هنا مع سبق التحريم لا تعنى إلا شيئًا واحدًا هو ما سميتموه بلفظ ( البغاء ) لا نسمح لأنفسنا بوصف سلوك الصحابة به, ومرة أخرى هذا منطق لا يستقيم, وهى حجة مردودة عليكم وليست حجة لصالحكم على عكس ما تصورتم, وحتى لو قلتم إن عدد مرات التحريم أقل من سبع, وهذا رأى البعض منكم, فإن هذا لا يغير من واقع الأمر شيئًا.

ثالثًأ: إن التواريخ التى ذكرت لتحريم الرسول للمتعة توحى بالشك فى نسبة هذه الأحاديث إلى الرسول, فالترتيب الزمنى لهذه التواريخ على النحو التالى:

المناسبة الشهر السنة

1ـ خيبر المحرم سنة سبع

2ـ عمرة القضاء ذى الحجة سنة سبع

3ـ يوم الفتح رمضان سنة ثمان

4ـ غزوة حنين شوال سنة ثمان

5ـ أوطاس شوال سنة ثمان

6ـ تبوك رجب سنة تسع

7ـ حجة الوداع ذى الحجة سنة عشر



والملاحظة الأولى على هذا التأريخ, أن أول تحريم للرسول ـ فى زعمكم ـ قد حدث سنة سبع من الهجرة, ومعنى ذلك أن الرسول قد ترك المسلمين عشرين سنة كاملة يمارسون هذا البغاء ( كما تصفونه ) أو هذا النكاح من أنكحة الجاهلية ( كما يراه البعض منكم ), وهذا يبدو لنا غريبًا وإن كان ما يلى أغرب ...

أما الملاحظة الثانية فهى أن المتعة قد أحلت وحرمت ثم أحلت وحرمت ثم أُحلت وحرمت سبع مرات خلال ثلاث سنوات فقط وهو أمر يدعو للدهشة على الأقل, وللشك فى نسبة هذه الأحاديث إلى الرسول على ما نعتقد, وتزداد الدهشة ويزداد الشك إذا لاحظنا أن المتعة قد أبيحت وحرمت ثلاث مرات خلال شهر واحد فبين حنين وفتح مكة نحو من شهرين وبين أوطاس وحنين أيام, وأن تحل المتعة ثم تحرم أكثر من مرة أمر يدعو للدهشة, أما أن تحل وتحرم ثلاث مرات خلال نحو شهر فأمر يدعو للشك, وأن تحل وتحرم سبع مرات خلال ثلاثة أعوام فأمر يدعو لما هو أكثر من الشك.

رابعًا: أنتم تستندون فى تحريم المتعة إلى أحاديث وردت فى كتب السنة, ونحن أيضًا نستند إلى أحاديث من نفس المراجع تؤكد أن المتعة كانت مباحة فى عهد الرسول وفى عهد أبى بكر وفى صدر عهد عمر, وأن الذى حرمها هو عمر وليس الرسول, وهى أحاديث كثيرة ورواتها ثقات وكثر, ومعنى هذا أنكم نازلتمونا بالأحاديث فقبلنا النزال وواجهناكم حديثًا بحديث, وسندً بسند, وبمراجع هى ذات مراجعكم بيد أن الأمر لن يصل بنا وبكم إلى طريق مسدود, بل تجزم بأنه لن يصل إلى مستوى التعادل فيما بيننا فى الحجج لأن لدينا الحجة الدامغة, التى تعلو على مستوى ما سقناه وما سقتموه حتى الآن ...



**************

[ 7 ]


فترد السنة:

هذا هو مأزقكم, ترتكبون الخطأ, بل الخطيئة, ثم تندفعون فى تبريرها بحجج لا سند لها إلا فى مخيلتكم, ولا قوة لها إلا فى أوهامكم, وأمثالنا لا يتأثرون بالكلمات المنمقة والفارغة فى آن واحد من نوع الحجة الدامغة أو البرهان الساطع أو غيرها من الكلمات التى لا تستهدف إلا نتيجة واحدة, هى أن تمسكوا بزمام المحاورة وأن توجهوها وفق منهجكم وهو ما لن نسمح به, لذا ندعوكم إلى تأجيل ( دمغنا بالحجج ) قليلاً وأن نسمع تعليقكم على حديث ( أخرجه عبد الرازق عن على قال: نسخ رمضان كل صوم, ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث ) ومعنى الحديث كما لا يخفى عليكم أن الزواج الدائم, بأحكامه التى ترتب عليها ميراث الزوجة وعدتها وضرورة الطلاق للانفصال عنها, قد نسخ هذا الزواج المسخ, الذى لا ميراث فيه للزوجة ولا عدة لها ولا ضرورة لطلاقها إذا انتهى الأجل ...



ü فيرد الشيعة:

عبتم علينا دعوانا بأنها دامغة, رغم أنها كذلك, ورغم أنكم لم تستمعوا إليها بعد, ووصفتم زواج المتعة ( مسخ ) وهو ليس كذلك, فزواج المتعة زواج شرعى, والحديث الذى نسبتموه للإمام على حديث مكذوب ومدسوس بغير شك, فأى شئ يمكن نسبته إلى الإمام على إلا قلة الفقه فى الدين, فلو لم يكن على فقيهًا فمن يكون ...؟.

إن القول المنسوب إلى على مكذوب لسبب بديهى وهو أنه قول جاهل ببديهيات الفقه لدى صبيان الكتاتيب من الشيعة.

فمن قال بأنه لا زواج بغير إمكانية حدوث طلاق؟:

1. الأمة المزوجة إذا اشتراها زوجها فإنها تبين منه بغير طلاق.

2. الزوجة الملاعنة تبين من الملاعن بغير طلاق.

3. الزوجة المرتدة تبين من زوجها دون طلاق.

4. الزوج المرتد تبين منه زوجته دون طلاق.

5. الزوجة الصغيرة التى أرضعتها أم الزوج تبين من زوجها دون طلاق.

6. الزوجة الصغيرة التى أرضعتها زوجته الكبيرة تبين من زوجها دون طلاق.

7. زوجة المجنون إذا فسخت عقد زواجها من تبين من زوجها دون طلاق.

8. الزوجة التى ملكت زوجها المملوك بأحد أسباب الملك تبين من زوجها دون طلاق.

وبالمثل أيضًا فإن هناك حالات من الزواج الدائم لا توارث فيها كالأمثلة الآتية:

1. الأمة إذا كانت زوجة.

2. الزوجة القاتلة.

3. الزوج القاتل.

4. الزوجة الذمية.

5. الزوجة المعقود عليها فى المرض الذى مات زوجها ولم يدخل بها.

وهذ الأمثلة كلها تثبت أن الزواج بذاته لا يقضى التوارث ولا الطلاق ...).[ الشيخ عبدالله نعمة ـ روح التشيع ـ دار الفكر اللبنانى ـ بيروت 1985م ـ ص 468 ].

أما عن العدة فعذركم بشأنها أنكم لم تقرأوا كتب الفقه الشيعى واعتمدتم على السماع لواردة هنا وشاردة هناك, ولو قرأتم لوجدتم أحكام العدة واضحة وكاملة, فالعدة واجبة انقضاء الأجل والافتراق, وهى حيضتان كعدة الأمة, وخمسة وأربعون يومًا لمن لا ترى الحيض, وأربعة أشهر وعشرة أيام للمتوفى عنها زوجها ...

هذا كله معلوم كما ذكرنا لصبيان الكتاتيب عندنا,

فكيف يخفى على الإمام على بن أبى طالب, باب مدينة العلم؟, بل الأهم من ذلك,

كيف يخفى عليكم حتى تواجهونا بهذا القول, وتظنوا أنه حجة؟ ...


[ 8 ]


فيرد السنة:

إن سعيكم لاصطياد الحالات الشاذة للقياس يؤكد لنا شذوذ قولكم باستمرار حلّ المتعة. ولكم عذركم فيما ذكرتم من أدلة, فالقول الشاذ لا بد وأن يستند إلى دليل شاذ, ومع ذلك فسوف نطاوعكم ليس إقتناعًا بقدر ماهى الرغبة فى استمرار الحوار,

إننا نريد منكم أن تكونوا واضحين معنا, وأن تقولوا لنا صراحة,

هل تقبلون بنصوص السنة حكمًا بيننا أو لا ؟.

وهل تقبلون بقول الإمام على إذا تكرر خبره فى أغلب مراجع السنة, بل فيها جميعًا وهو حديثه بأن رسول الله ـ ص ـ قد نهى يوم خيبر عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأهلية, أو لا ؟ ...

لقد كانت المناسبة هى الرد على ابن عباس فى ترخيص بالمتعة,

عندما ينحصر القول بين ابن عباس وبين على يرجح لدينا ولديكم قول على, خاصة وأنكم تعلمون أن حديث على كان بعد وفاة الرسول, الأمر الذى يقطع باسقرار تحريم الرسول للمتعة إلى الأبد, إذ يستحيل منطقيًا أن تكون المتعة حلالاً ويخفى ذلك عن على , وليس معقولاً أيضًا أن يحرم على ما أحل الله ورسوله ...

إن المصدر هو مراجع السنة التى قبلتم الاحتكام معنا إليها ...

والقائل هو على بن أبى طالب ... باب مدينة العلم ... الذى نقبل بحكمه ويستحيل عليكم أن تجادلوا فيه ...

والحمد لله أن الحديث جامع مانع, قصير قاطع, لا يحتمل لبسًا, ولا يقبل تأويلاً, ولا يداخله شك ... ألا يعنى هذا فصل الخطاب؟

ما رأيكم دام فضلكم؟ ...



ü فيرد الشيعة:

الحمد لله فعلاً لأنه أجرى الحق على ألسنتكم دون أن تدروا, فأصبح ما ذكرتموه, مردودًا عليكم إلى الدرجة التى نعتقد معها أنكم سوف تندمون على احتجاجكم به, وإصراركم عليه,

والحمد لله أيضًا على أنكم استخدمتم ألفاظًا دقيقة, فذكرتم أن الحديث متكرر ولم تذكروا أنه متواتر لأنكم لو ذكرتم ذلك لرددناه, وإليكم أسانيدنا فى الرد عليكم نذكرها فى ترتيب وهدوء ...

أولا: لقد ذكرتم أن الحديث كان بعد وفاة الرسول, وهذا ما تذكره مراجعكم بالفعل, وأنه كان فى الرد على عبدالله بن عباس, وهذا ما تذكره مراجعكم أيضًا, ومعنى هذا أن ابن عباس كان يرخص فى المتعة بعد وفاة الرسول, وهى حجة لنا وليست لكم, وعليكم وليست علينا, فعبد الله بن عباس حبر الأمة وبحر العلم فيها كما ترددون دائمًا, ورغم أن هذه الحجة ( وهى حلّ عبدالله بن عباس للمتعة بعد وفاة الرسول ) ليست أقوى حججنا, إلا أننا نريد أن نثبتها لنا وعليكم فى بداية الرد ... هذه واحدة ...

ثانيًا: وفقًا لما جاء فى مراجعكم كان حديث الإمام على بعد وفاة الرسول, والإمام على يذكر فى الحديث أن الرسول قد نهى عن المتعة يوم خيبر, والمنطقى أن يذكر الإمام على مناسبة التحريم الوحيدة إذا كان التحريم قد حدث مرة واحدة, أو أن يذكر مناسبة التحريم الأخيرة إذا كان التحريم قد لحقه حل ثم تحريم آخر أو أخير ...

ولعلكم تتفقون معنا على أمر منطقى, وهو أن أمرحلّ المتعة أو أمر حرمتها لجماعة المسلمين لا يمكن أن يخفى على الإمام على, ومعنى هذا أننا أمام واحد من احتمالين:

1ـ الاحتمال الأول أن الرسول حرم المتعة فى يوم خيبر, وكان هذا هو التحريم الوحيد, وبالتالى هو التحريم الأخير, وفى هذه الحالة تسقط كل أحاديث سبرة بن عبد الجهنى التى تتوقفون عندها كثيرًا وتتأملون فيها طويلاً, وتكررها مراجعكم عشر مرات, وتذكر أن الرسول قد أحل المتعة يوم فتج مكة, وفى قول آخر ( لسبرة أيضًا ) يوم حجة الوداع, ثم حرمها بعد ذلك ( إلى يوم القيامة ),

2ـ أما الاحتمال الثانى فهو أن أحاديث سبرة وغيرها أحاديث صحيحة, وأن الرسول أحلها بعد خيبر ثم حرمها, سواء كان ذلك يوم الفتح أو فى حجة الوداع, وهنا يصبح قول على ضعيفًا, لأنه يتحدث عن تحريم لحقه حل أو بمعنى أدق نسخه حل لاحق, والأولى به أن يذكر التحريم الأخير سواء كان يوم الفتح أو فى حجة الوداع, حتى يفحم ابن عباس, وحتى لا يترك له منفذًا للرد عليه بانها أحلت بعد ذلك ...

ولمعلوماتكم لسنا نحن القائلين بهذا, بل أحد فقهائكم الكبار وهو ( ابن حجر العسقلانى ) الذى ذكر ذلك فى كتابه فتح البارى نقلاً عن البيهقى الذى رجح النهى يوم خيبر عن لحوم الحمر فقط دون النهى عن زواج المتعة ( لكون رسول الله ـ ص ـ رخص فيها ـ أى فى المتعة ـ بعد ذلك ثم هى عنها فلا يتم احتجاج على بن أبى طالب إلا بالنهى الأخير لتقوم به الحجة على ابن عباس) [ ابن حجر العسقلانى ـ فتح البارى بشرح صحيح الإمام البخارى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ الجزء التاسع ـ ص 138 ].

ثالثًا: لم يكن البيهقى هو الوحيد الذى أدرك ما يكتنف هذا الحديث من الشبهات, وما يثيره من المشكلات, إلى الدرجة التى دعته إلى حذف النهى عن المتعة منه, وإنما ادرك ذلك علماء الحديث والباحثون فيه, حيث روى عبد الوهاب الثقفى عن يحيى بن سعد عن مالك أن عليًا قال ( حنين ) ولم يقل ( خيبر ) [ أخرجه النسائى والداقطنى ] وهناك أيضًا رواية إسحق بن راشد عن الزهرى وهى تذكر أن عليًا قال ( تبوك ) ولم قل ( خيبر ) [ ابن حجر العسقلانى ـ فتح البارى بشرح صحيح الإمام البخارى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ الجزء التاسع ـ ص 138 ].

وقد احتار فقهاء السنة فى تفسير ذلك,

فمنهم من قال أن هذا وهم تفرد به هذا,

أو خطأ وقع فيه ذاك,

بينما تفسير لدينا واضح وبسيط ومفهوم,

وموجزه أن الكذب على الإمام على ليس له قدمان, أو بمعنى أصح له قدمان, قدم فى ( تبوك ) وقدم فى ( حنين ) ...

وهكذا تظهر ثلاث احتمالات جديدة

1. أن عليًا لم يذكر فى حديثه نهى الرسول عن المتعة يوم خيبر, وإنما ذكر فقط نهى الرسول عن لحوم الحمر يومها, أو,

2. أن عليًا ذكر أن نهى النبى فى حنين , أو

3. أن عليًا ذكر أن نهى النبى كان فى تبوك,

إضافة إلى الاحتمال القديم ان النهى كان فى خيبر ...

حقًا, ما أقوى هذا الحديث, وما أصح متنه, وما أندر شبهاته, وما أيقن حدوثه .... هذه ثالثة.

رابعًا: وبظنكم لستم فى حاجة إلى رابعًا, لكننا نحيلكم إلى تفسير شهير للقرآن لا تختلفون عليه, وهو تفسير الطبرى [ جامع البيان فى تفسير القرآن لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى ـ دار المعرفة بيروت ـ المجلد الرابع ـ ص 9 ].

حيث ذكر حديث الإمام على بن ابى طالب بسنده: ( قال على ـ رض ـ لولا أن عمر ـ رض ـ نهى عن المتعة ما زنى إلا شقى ) ...

ما معنى هذا؟...

إن معناه واضح, وهو أن الإمام على يذكر صراحة أن الذى نهى عن المتعة هو عمر, وهو يذكر ذلك فى عبارة ناقدة, تشير إلى إغلاق عمر لباب من أبواب الرحمة, وفتحه لباب من ابواب الشقاء, وقد ذكر ذلك كله فى بلاغة مشهورة عنه, وفى إيجاز معروف منه, وفى أدب يليق به ...

عمر إذن هو الذى حرم المتعة وليس الرسول ...

والقائل هو الإمام على بن أبى طالب ...

والناقل هو ابن جرير الطبرى ...

ما رأيكم دام فضلكم؟ ...


[ 9 ]


فيرد السنة:

ما هذا الجهل والتخليط ... نحن نتحدث عن السنة, ونذكر مراجعها التى صحت لدينا, ونأتى منها بالأحاديث الموثقة, وأنتم تأتون لنا بحديث لا سند له, من مرجع لم نسمع يومًا أنه مرجع حديث معتمد ...

إن ابن جرير الطبرى على العين والرأس كمفسر للقرآن, وكمؤرخ لحوادث التاريخ, لكنه ليس مرجعًا معتمدًا لدينا فى الحديث ...

ما أعجب ما تصدرون عنه ...

نقول لكم صحيح البخارى فتقولون تفسي ر الطبرى ...

هل هى المكابرة فى الحق, أم هو الجهل بالحديث, أم أنه مذهب شيعى جديد, يحيلنا فى الحديث إلى الطبرى, وفى التاريخ إلى البخارى وفى التفسير إلى ابن الأثير؟ ...



ü فيرد الشيعة:

ها أنتم تهربون من أصل المحاورة إلى فروعها, وتمسكون بتلابيب جزئية وتتجاهلون الكليات, وترفعون شأن مراجع تتشدقون باسمها, وأغلبكم لم يقرأها, ولو قرأها أحدكم وتأمل ما ورد فيها لتردد كثيرًا قبل أن يفتح على نفسه بابًا من أبواب الهول, حين يكتفى بذكر أن الحديث قد ورد فى البخارى, ظنًا منه أنه سوف يجندل المتحاورين معه لمجرد ذكر الاسم ...

إن البخارى نفسه ذكر أنه انتقى نحو أربعة آلاف حديث من حوالى ستمائة ألف حديث, أى أن ما صح لديه أقل من واحد فى المائة,

ونحن نجزم بأن ما صح لديه لم يكن صحيحًا كله ...

وأن بعضًا منه كان سمًا ناقعًا, لاندرى كيف سمح بتسلله إلى صحيحه؟,

وكيف سمح المتشدقون بما لا يعلمون لأنفسهم بوصف صحيح البخارى بأنه أصح كتاب بعد القرآن ....

ألم يرد فى البخارى حديث الرسول يذكر فيه أن الرسول العظيم قد ( أوتى قوة ثلاثين ) رجلاً فى الجماع ... [ البخارى 1/73 ط. دار الشعب ].

ولنتساءل:

1. هل يتصور أحد ان يكون ذلك وصف رسول الله ...

2. والحديث يذكر أنه كان يطوف بنسائه جميعًا فى ساعة واحدة وعددهن إحدى عشر ...

3. هل هذه هى معجزة الرسول؟ ...

4. وهل هذه هى قدراته؟ ...

5. بل ما شأن المسلمين أصلاً بخصوصيات الرسول , بل بأخص خصوصياته مع أهل بيته؟ ...

كان يأتيها وهى حائض
ألم يذكر البخارى عن عائشة أن رسول الله كان يأتيها وهى حائض بعد أن تتزر [ البخارى 1/97 ط. دار الشعب], رغم ان ذلك يتناقض كلية مع القرآن الذى ورد فيه { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [ البقرة 222 ].

ملك الموت
وألم تذكر كتب السنة أن موسى قد لطم ملك الموت ففقأ إحدى عينيه, بالله عليكم هل يستقيم ذلك وهل يقبله عقل؟ ...

وأى عين تُرى تلك التى ذهبت, هل هى اليسرى فينجو من الموت اهل اليمين, أم اليمنى فينجو من الموت أهل اليسار؟ ...

ثلاث ليال
وأين يذهبون من الحديث الوارد فى البخارى فى باب ( نهى الرسول عن نكاح المتعة آخرًا ) ونصه ـ على لسان الرسول ـ: ( أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال, فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا ) [ انظر الفصل الثانى ] ... هكذا ...

تعيروننا بزواج المتعة وهو زواج شرعى صحيح,

وتقبلون بهذا الحديث وتجرؤون على نسبته للرسول لمجرد كونه واردًا فى صحيح البخارى ...

أيما رجل وإمرأة, بمعنى أى رجل وإمرأة,

توافقا أى تقاربت مشاعرهم وتحابا,

من حقهما ـ على سبيل التجربة ـ أن يقضيا معًا ثلاث ليالٍ ,

ليس فى الحديث باطبع أو فى الغناء أو فى التهجد, إنما فى المعاشرة,

وهو ما يفهم من لفظ ( فعشرة فيما بينهما ).

وبعد ذلك ـ إذا أحبا ـ أن يتزايدا تزايدا دون تحديد, فقد يتزايدان يومًا أو بعض يوم أو عامًا أو بعض عامٍ أو كما يشاءان,

وإذا احبا أن يتتاركا تتاركا ... هكذا دون تحديد لشئ ...

يكفى أن يقولا كما يذكر القول الدارج ... باى باى ... مع السلامة ...



إنتم تقبلون بهذا الرسول لمجرد كونه واردًا فى صحيح البخارى ... وتجرؤون على تسميته بالصحيح, وإذا أراد الواحد منكم أن يبرئ نفسه من الخطأ, قال: لم أخطئ فى صحيح البخارى, وكأنه قرآن آخر ...

باب رضاع الكبير
إن حديثنا هنا هويل لكننا نختصره, نؤكد لكم أن موقف كتب السنة الأخرى المعتمدة لديكم أسوأ بكثير, وإلا أفهمونا ما أفاضت به هذه الكتب فى باب رضاع الكبير, حيث ذكرت ما نخجل منه ولا تخجلون, وموجزه:

أن رسول الله قد سمح لزوجة أبى حذيفة أن ترضع سالمًا مولى أبى حذيفة وهو رجل كبير عدة رضعات مشبعات حتى يصبح ابنها من الرضاع فيدخل عليها ولا يغضب أبو حذيفة أو يشعر بالغيرة على زوجته وإلى هنا والحديث مفزع ولا نقول أكثر. [ الحديث وارد فى جميع كتب السنة فى باب رضاع الكبير].

لكن المخيف حقًا هو ما يكتمل الحديث به, حيث ذكر ان السيدة عائشة كانت تأخذ بهذه الرخصة وانها كانت إذا أرادت أن يدخل عليها رجل, امرت بنات إخواتها أو بنات أخواتها أن يرضعنه ثم يدخانه عليها بعد ذلك,

ويذكر الحديث أيضًا أنها لم تأبه باعتراض زوجات الرسول واعتقادهن أن تلك كانت رخصة لسالم وحده و لا تنصرف إلى غيره ...



أين أنت ياحمرة الخجل ... ألا تخجلون من نسبة هذا إلى الرسول الكريم وإلى زوجته, وإذا كنتم تقرون ذلك لزوجة الرسول باعتباره واردًا فى قدس الأقداس لديكم وهى كتب السنة المعتمدة منكم ( سنن أبى داود, وسنن النسائى, وسننن ابن ماجه, وسنن الدارمى, وموطأ مالك, ومسند أحمد بن حنبل ), نقول إذا كنتم تعتقدون فى ذلك حقًا, فلماذا لا تمارسونه ...



لقد سفهتم آراءنا بما احتملناه منكم, واتهمونا بممارسة البغاء ورضائنا به لبناتنا, وأتى دورنا الآن لكى نرد عليكم ونسألكم,

هل إذا دخل الرجل منكم على زوجته ووجدها ترضع رجلاً, يلتقم ثديها التقام الجائع النهم للطعام,

ويسيل لبن ثديها على شاربه ويتخلل لحيته,

هل تقبلون حجتها فى انها تتأسى ـ حسب قول كتب السنة المعتمدة لديكم ـ بالسيدة عائشة أم المؤمنين,

وأنها رخصة تاخذ بها زوجاتكم لإدخاله عليها بعد ذلك دون حرج ...

نستغفر الله لنا ولكم !!!.



وننصحكم ونحن لكم مخلصون, أن لا تتصوروا أنكم أصحاب حق مطلق لمجرد ورود حديث يؤيدكم هنا أو هناك, فليس كل ما ورد هنا أو هناك صحيحًا, والبخارى ليس أعلى شأنًا من الطبرى فى الاحتجاج, وكلهم يخطئ ويصيب,

والحديث الذى ذكرناه نقلاً عن الطبرى وارد بعدة طرق فى تفسير الثعلبى, وتفسير الرازى, وتفسير أبى حيان, وتفسير النيسابورى,

والفرق بيننا وبينكم أننا لا نقبل شيئًا دون تمحيص, ودون أن نعرضه على عقولنا وأفهامنا وقبل ذلك على قرآننا الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.



نعم, جئتمونا بالبخارى, فجئناكم بالبخارى وبالطبرى,

وحديث بحديث, والإمام على هنا والإمام على هناك,

فإذا أغلقتم معنا هذه الصفحة, وهى صفحة الاحتجاج علينا بحديث مدسوس على الإمام على تتجاذبه الشبهات أغلقناه وأسقطنا أحد حديثين بهما وهما حديث ( على ) وحديث ( سبرة ),

ولم يبق إلا حديث سبرة وهو حديث تكفلت الكتب المعتمدة لديكم بطعنه وتجريحه,

فتارة يذكر سبرة أن حلّ الرسول للمتعة وتحريمه لها كانا فى فتح مكة, وتارة أخرى يذكر أنهما كانا فى حجة الوداع,

وفتح مكة كان فى رمضان سنة ثمان, وحجة الوداع فى ذى الحجة سنة عشر, وبين المناسبتين عامان كاملان,

وتارة سبرة هو الذى استمتع بالمرأة, وتارة أن الذى استمتع بها هو صاحبه,

وتارة أن برد سبرة كان خلقًا ( مستهلكًا ) وبرد صاحبه جديد, وتارة أن برد سبرة كان جديدًا وبرد صاحبه خلق,

وتارة أن سبرة استمتع بالمرأة ليلة واحدة, وتارة استمتع بها ثلاث ليالٍ كاملة ... [ جميع هذه الملاحظات مثبتة وموثقة فى الفصل الثانى من الكتاب : مداخلة توثيقية ].



هل يستقيم لديكم حديث مثل هذا؟, وهل يكفى لاستقامته أن يرد فى الصحاح أو السنن أو المسانيد ...

إن كان يستقيم لديكم فهو لا يستقيم لدينا ...



أين هذه الأحاديث المتضاربة من احاديث جابر بن عبدالله الأنصارى وعمر بن حصين وـاكيدهما أن المتعة لم تحرم إلا على يد عمر بن الخطاب,

وفى واقعة محددة هى واقعة عمر بن حريث ...

ومن حق عمر أن يجتهد كما يشاء, لكن من حقنا أيضًا أن لا نعلى اجتهاده فوق القرآن وفوق سنة الرسول ...



هل تصدقوننا إذا ذكرنا لكم أننا نرد عليكم والأسى يعصف بنا, لأننا مسلمون, ولو لم تبدأوا بعنف القول و بتجريح السلوك ما وصلنا معكم إلى هذا الحد, لكن البادئ أظلم ونحن نعفيكم من التعليق على ما سبق لأننا نعذركم فى موقفكم الصعب بل العصيب, ونقول لكم تعالوا معنا إلى كلمة سواء, ووازنوا الحجة بالحجة, وقارنوا الحديث بالحديث, وانتصفوا ليس لنا, بل للحقيقة ...



[ 10 ]


فيرد السنة:

بل نحن أكرم كثيرًا, فقد سمعنا مثل ما قلتم وأكثر منكم ومن غيركم وقبلها من المستشرقين وعذر القائل بهذا قلة بضاعته فى علم الحديث, وعمى الألوان الذى يصيبه فلا يفرق بين الحديث الضعيف والحديث الحسن والحديث الصحيح, ولا بين المتواتر والمشهور, ولا بين الروايات المختلفة للحديث الواحد, وكيف يتم ترجيح رواية على أخرى, وقبول رواية ورفض ثانية ...

هذه كلها أمور يعلمها صبيان التلاميذ فى المعاهذ الدينية, والفرق بيننا وبينكم هو فرق فى المنهج, فأنتم تقبلون على كتب الأئمة العظام, إقبال الصائد للشذوذ, فإن وجده هلل, وإن لم يجده تخيله...

الباحث عن المثالب فإن وجدها قفز طربًا وإن لم يجدها لوى عنق الحقائق من أجلها, وأنتم تتخيلون أنكم وحدكم أصحاب العقول الراجحة, وإن كل شئ يجب أن يخضع للعقل والحجة والمنطق. وتتناسون أن منهجكم هذا لا يقود إلا إلى الشرك والإلحاد فى نهاية المطاف, فليس ثمة شك فى أن التفكير مطلوب والتدبر مرغوب وتحكيم العقل وارد, لكن ذلك كله يجب أن يكون مسبوقًا بالقلب العامر باليقين, والوجدان الممتلئ بالإيمان, وليس المبتلى بالشك, وبقدر من التواضع تدركون معه أن هناك ما تعلمونه ونعلمه, وأن هناك أيضًا ما لا يصل علمكم ولا علمنا إليه, وأن العقل فى النهاية قاصر وعاجز ومحدود ....



لقد ارتدتم الآن مسلكًا لو جاريناكم فيه لأوجعناكم وأصبنا منكم مقتلاً,

حين نتعرض لما ورد فى كتبكم من مفتريات على الأئمة وعلى الخلفاء الراشدين, بل على القرآن ذاته,

ولقد تظاهرتم منذ بداية الحديث باحترام السنة , فإذا أنتم كما إتضح لنا الآن لا تحملون لها إلا خالص الشك, وعميق عدم اليقين, وأخشى ما نخشاه أن يكون هذا هو مسلككم أيضًا مع القرآن الكريم,

بيد أننا لن نحاربكم أبدًا فى مسلككم هذا, وسوف نرتفع إلى مستوى من يبحث عن الحقيقة ويلتمس صحيح العقيدة, ويقترب من الآخرين وإن ابتعدوا, ويجمع شملهم وإن شردوا, ويدلهم على الصواب وإن جنحوا, وقد كنا دائمًا دعاة تقريب للمذاهب وانصار توحيد لطوائف المسلمين, ولن نسمح لاستفزازكم أن يجرنا إلى إستفزاز مماثل تكونون فيه من الخاسرين, وسنعود بكم إلى طريق الجادة بعد أن انحرفتم عنه, وإلى منهج الحوار وإن حاولتم التهرب منه, وقد سقنا حديث ( على ) فى البخارى, فرددتم بحديث لا سند له فى الطبرى, وللقارئ أن يقارن حديثًا بحديث, وسندًا بسند, ومرجعًا بمرجع, وإذا كنتم تتمسحون بالشارد والعارض والشاذ من القول فهذا شأنكم انتم, ودليلنا على أنكم تبحثون عن الشواذ لعلة فى نفس يعقوب, وتأخذون طرفًا من الحقيقة وليس الحقيقة كلها,

ويكفى ما تجاهلتموه من تعليق النسائى والدارقطنى على رواية حديث ( على ) عن أن نهى الرسول كان فى تبوك بقولهما أنه وهم تفرد به عبد الوهاب ( الراوية ) وهذا دليل على عدم أمانتكم فى النقل أو التحقق أو التوثيق,

وإذا كان اجتماع كل مراجع السنة على حديث ( على ) بشأن خيبر لا يصلح دليلاً لديكم أو عليكم, فمتى يصح الدليل ويستبين الحق, ونحن لا نتوقف أما اختلاف الرواية فى حديث ( سبرة بن معبد الجهنى ) لأن ما يهمنا هو جزئية واحدة فى القصة كلها, هى الأساس فيما استهدفه الحديث, وهى الفيصل بيننا وبينكم والحك فى قولنا وقولكم ونقصد بها قول رسول الله ت ص ت بان المتعة قد حُرّمت عليكم ( يقصد انها حرمت على جميع المسلمين إلا إذا كنتم تعتقدون أن المقصود بالمسلمين هم اهل السنة فقط ) إلى يوم القيامة, والمقصود بيوم القيامة لا يحتاج إلى توضيح أو تفسير, إلا إذا كنتم تعتبرون أن المقصود به هو قيام أحدكم برفض الحديث أو لوى عنق الحقيقة أو الإفتاء بحل ما حرمه الرسول الذى لا ينطق عن الهوى ...



أما عبدالله بن عباس فهو فعلاً حبر الأمة وبحرها, وهو فقيه لا تطاوله الأعناق, وإنما تطوله ألسنة العابثين بالادعاء عليه, وتلفيق القصص الوهمية عن أقواله وأفعاله, ليس طعنًا فيه, وإنما توسلاً بالافتراء عليه لطعن الإسلام ذاته, ولو سلك عبدالله بن عباس شعبًا وسلك باقى الصحابة والتابعين شعبًا آخر, وصح لدينا دليلهم أمام دليله المنفرد سلكنا سبيل الإجماع, ولتابعنا الجمهور وأسقطنا قول الفرد لأننا لا نقدس أحدًا من العباد ولا نعطيه العصمة حتى ولو كان ابن عباس,

ومع ذلك فقد أجرى الله على لسانه فأوضح فى نهاية حياته ما كان عليه من خطأ, وإن كنتم فى شك من هذا فما قولكم فيما نسب إلى عبد الله بن عباس فى نهاية حياته, من اعترافه بأن المتعة محظورٌ إباحته الضرورة أو الحال الشديد مثل طول العزبة أو طول الغربة أو السفر ...



فيرد الشيعة:

هذا فى تصوركم أقوى ما تردون به, وتكررونه, وتتصورونه أنه المخرج حتى تشعروا بضعف الحجة, وتوقنوا بصعوبة المكابرة فى الحق ...

إن عرضكم لهذا احديث المنسوب زورًا إلى عبدالله ين عباس يعنى ترتيبكم لأفكاركم على النحو التالى:

1. أن المتعة قد أحلت فى عهد الرسول.

2. أن ترخيص الرسول بالمتعة لم يكن مطلقًا بل كان مرتبطًا بظرف خاص مثل طول العزبة أو طول الغربة أو السفر ...

3. أن الرسول قد حرمها بعد ذلك تحريمًا مطلقًا ...

ولعلكم بهذا التسلسل ترحون انفسكم بتبرير مقنع لممارسة الصحابة للمتعة, وحتى تخرجوا من مأزق الاعتراف الصريح بإطلاق إباحته فى عهد الرسول, ونحن يسعدنا أن نرد على منطقكم المتسلسل أيضًا على النحو التالى:

1. نشكركم على اعترافكم بأن المتعة قد أُحلت فى عهد الرسول ولو أنه لا شكر على واجب.

2. حديثكم عن ارتباط المتعة بظروف استثنائية موجزة فى الغربة والسفر والغزو مردود عليه بإحالتكم إلى حديث سبرة الجهنى الذى تستندون إليه, والذى ذكر فيه سبرة أن الرسول قد رخص للمسلمين بالمتعة فى حجة الوداع, وذلك كما ورد فى سنن أبى داود وسنن ابن ماجه, ولم يكن بالمسلمين فى حجة الوداع خوف أو غربة شديدة أو سفر طويل أو عزبة شديدة, فالثابت فيه أن الصحابة قد سافروا ومعهم زوجاتهم وهذا ينفى ما ذكرتم ...

3. أما الحديث عن تحريم الرسول له إلى يوم القيامة فقد ذكرنا لكم أن لدينا من الأسانيد والأحاديث ما يقطع بأن من حرّمه هو عمر, ولا يزال لدينا من الأسانيد ما يقطع دابر هذه الحجة تمامًا, لأن أسانيدنا من الكتاب والسنة, وكما ألزمناكم الحجة فى حلّه فى حيلة الرسول فسوف نلزمكم الحجة بحله أبدًا, بيد أننا نود أن نسألكم عن سبب طرحكم للتساؤل حول ارتباط المتعة بالضرورة, وهل هى مجرد الرغبة فى المحاورة؟ ...

أم أنه التحرز, حتى إذا أثبتنا لكم حلال المتعة وجدتم مخرجًا بأن ذلك محظور تبيحه الضرورة, تمامًا مثل إباحة أكل الميتة للمضطر, كما يتغنى البعض منكم, أم أنه الاعتقاد بصحة الحديث فنصل سويًا إلى اتفاق عند منتصف الطريق, فنعتقد نحن بحل المتعة فى كل الأوقات والظروف بما لدينا من أدلة شرعية ونقلية وعقلية, وتعتقدون أنتم فى ظروف العزبة أو طول الغربة أو السفر, وتمارسونها بلا جناح عليكم فى هذه الحالات الاضطرارية؟..

أجيبونا على قدر عقولنا لو سمحتم ...هل هى مجرد الرغبة فى النقاش والمكابرة فى الحق؟, أم التحرز عند فشل الحجة؟, أم هو الاقتناع الحديث؟, وصدقونا نحن نشفق عليكم من الإجابة, لأن أى إجابة نتوقعها منكم, سوف تكون دليلاً لصالحنا وحجة عليكم ...

4. إنكم أول من يعلم بأن فتوى ابن عباس بحلّ المتعة حتى نهاية عمره قد تواترت إلى درجة أن من ينكرها ينكر معلومًا من الفقه بالضرورة, ولعلكم تذكرون حديث ابن عباس فى أواخر أيام حياته مع عبدالله بن الزبير, حين أشار إليه الأخير بقوله بلغنى أن الأعمى ( وكان ابن عباس قد عمى بصره قبيل وفاته ) يبيح المتعة, وتذكرون ما نقله الرواة متواترًا عن رد ابن عباس, وتلميحه إلى بردى عوسجة وسطوع المجامر فى بيت الزبير [ تذكر المراجع الشيعية وبعض كتب الأخبار والأدب نص هذه المحاورة, ومنها أن أول مجمر سطع فى المتعة هو مجمر آل الزبير .. سل أمك عن بردى عوسجة, وذلك على لسان عبدالله بن عباس موجهًا إلى عبدالله بن الزبير .. وسيرد ذكر هذه المحاورة ومصادرها ضمن التوثيق ].

وإذا كان ابن عباس هو أول من وثق المتعة بالنص القرآنى بروايته التى تذكرها كل كتب التفاسير, أيكون مقبولاً أو معقولاً أن يستند أحدكم إلى حديث شارد تدحضه عشرات الأحاديث الصحاح يفهم منه أنه اكتشف فى نهاية عمره أنه كان مخدوعًا بالأمر, بينما الآية التى ذكرها فى شأن المتعة , بروايته لها, لا مجال للبس فيها ولا لشك ولا لظن ...





[ 11 ]


فيرد السنة:

حسبكم حسبكم .... لقد قبلنا منكم أن تحتجوا بالأحاديث, لأن السنة ظنية, ومجال الإثبات والترجيح فيها وارد, بينما القرآن قطعى, ومعاذ الله أن تنسبوا حل المتعة لله فى كتابه الكريم.



فيرد الشيعة:

بل هذه هى حجتنا الدامغة, وبرهاننا الساطع وإن رغمت أنوف, فالسنة ظنية كما ذكرتم, وقد سقتم أدلتكم من السنة, وسقنا أدلتنا, واختلفتم واختلفنا, ووثقتم ووثقنا, والذى يقضى بيننا هو كتاب الله, فأين تذهبون منه ...




[ 12 ]


فيرد السنة:

كلنا آذان صاغية, فقط تذكروا أنه ليس هناك من هو أظلم ممن إدعى على الله كذبًا, تذكروا ذلك جيدًا ثم هاتوا البراهين ...



ü فيرد الشيعة:

حسنًا


[ 13 ]


فيرد السنة:

لو سمحتم, ألا تلاحظون أن الكاتب يشير إلينا بالتوقف, ولعله يريد المداخلة, ألا نتركه قليلاً يحدث قراءه, ولتكن فرصة لكم لكى تراجعوا أنفسكم قبل الوقوع قى الخطأ, والمكابرة فى الإدعاء, والتصديق للوهم.



فيرد الشيعة:

بل أنتم الأحوج منا امراجعة النفس فيما فات, والاستعداد للرجوع إلى الحق فيما هو آت, وإلى الاستناد إلى الحجة والبرهان, وإلى الابتعاد عن الكلام الرنان الطنان, وعمومًا فليتفضل الكاتب بالمداخلة, وانترككم إلى حين.

الفصل الثانى

مداخلة توثيقية


" وقال ابن حزم ثبت على إباحتها بعد رسول الله ـ ص ـ ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف وجابر وعمرو بن حريث ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله ـ ص ـ وأبى بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر قال ومن التابعين طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة ".

فتح البارى ـ ابن حجر العسقلانى.



عزيزى القارئ ...
قررت هنا أن أتدخل وأن أقطع الحوار, وظنى أنك مستمتع به, مستغرق فيه, متعجب منه,

أما الاستمتاع فمرجعه إلى رقى مستواه,

وأما الاستغراق فمرجعه إلى خطورة محتواه,

وأما التعجب فمرجعه إلى جدته وطرافته وغيابه عنك على كثرة ما سمعت من الفقهاء فى موضوعات أقل خطرًا وأهون شأنًا,

وظنى أيضًا أنك قد فزعت لما استند إليه الفريقان,

وكيف توافر فى نصوص السنة ما يستند إليه هذا وما يستند إليه ذاك على اختلاف الرأى بينهما بل على تضاده؟,

ولعلك قد سألت نفسك أيضًا عن هذه الأحاديث التى استند إليها هذا والتى استند إليها ذاك وعن مصدرها وعن محتواها وعن إسنادها وعن فحواها,

ولعلك فى حاجة إلى توثيق قررت أن أقوم به نيابة عن الطرفين المتحاورين, وكان بإمكانى أن أضع الأحاديث المسندة على لسان كل طرف خلال الحوار, وأن أحصل عليها من كتب الطرفين عند تعرضها لهذا الموضوع الحساس, ولعل هذا كان السبيل الأسهل, ولكنه سبيل تكتنفه مخاطر شتى تتناقض مع منهجية البحث وأسلوبه العلمى, لأن كل طرف يقتصر على حجته, ويزين من أسانيده لها, ويهمل أسانيد الطرف الآخر ويشكك فيها,

ولم يكن أمامى من سبيل إلا أن أرجع إلى المصادر الأصلية, وإلا أن أنقل منها نقلاً كاملاً, مع تعليقات محدودة وترتيب مقصود بحيث يتعرف القارئ على أسانيد كل طرف,

ولعله سوف يتبين يقينًا أن الطرفين لا ينطلقان من فراغ, ولعله سوف يتوقف أمام حقيقة مذهلة لكنها حقيقة على آية حال وهى أنه لو قصر منهجه فى قبول الحديث أو رفضه على السند أو على وروده فى الصحاح أو على تواتره فى كتب الأحاديث المعتمدة.

لوصل إلى نتيجة يأباها عقله وضميره وهى أن زواج المتعة حلال وحرام فى آن واحد,

وأن الرسول هو الذى حرمها إلى الأبد وأن عمر هو الذى حرمها بعد أن كانت مستمره فى عهد الرسول وعهد أبى بكر وصدر عهد عمر فى آن واحد, وأن عليًا أعلن حرمة المتعة وأن عليًا أيضًا لم يعلن ذلك وإنما أشار إلى تحريم عمر لها بقول فيه غير قليل من الإنكار فى آن واحد, وأن عبد الله بن عباس أصر على حل المتعة فىآخر حياته وانه تراجع عن حل المتعة إلا فى حالة الضرورة فى آخر حياته فى آن واحد,

وهكذا, ولعلنا لا نرى فى ذلك بأسًا, ولا نراه يبعث على الشك فى كتب السنة بقدر ما نراه دافعًا إلى إعمال العقل وإلى ترجيح الحجج وموازنتها بالمنطق, وإلى ضرورة أن يتوازى السند والمتن فى الحكم على صحة الحديث, وهو منهج يراه البعض إثمًا ونراه ضرورة,

وأذكر فى هذا الصدد عالمًا دينيًا كبيرًا يشغل منصب عميد إحدى الكليات الأزهرية, ذكر فى محاضرة له حديثًا غريبًا عن ظهور المهدى المنتظر فى الشام ومحاربته للسفيانى ولقائه به فى ( المنارة ) فى الشام ... إلى آخر الحديث,


وقد اصطدم الحديث بعقلى ووجدانى فى عنف شديد, ولما راجعته سائلاً عن بعض تفاصيل الحديث, وعن مدى معقولية متنه, ومدى صحة إسناده نظر إلى فى تعال شديد, وصعد بصره إلى وجهى, وركز عينيه فى عينى, وأجاب فى بطء شديد وكأنه يتلذذ بهزيمتى: إن الحديث وارد فى صحيح مسلم ثم ابتسم فى خبث أو تخابث ـ لا أدرى ـ وعاد يصوب نظرته إلى مع إبتسامة لم ينجح فى إخفائها متشفيًا مما تصوره هزيمتى بالضربة القاضية ...

ولم أملك إلا الصمت احترامًا لدعوة صاحب المكان ودير الندوة ...

أمثال هذا الأستاذ الجليل سوف يفقدون توازنهم وهم يراجعون أحاديث المتعة فى صحيح مسلم بالتحديد, وهم أيضًا يتطوعون بتقديم أنفسهم لقمة سائغة للطرف الآخر فى الحوار, ولعلهم سوف يخرجون منه فى جولته الأولى السابقة, إن جاز استعمال تعبير الجولة فى حوار ساخن مثل هذا, أما الذين سيبقون, وهم كثر, فهم من وهبهم الله نعمة التفكير والعقل والتدبر والاجتهاد ...



وما علينا, بل علينا أن نعرض وثائق الطرفين من مصادرها الأصلية ( السنية ) ولا نعتذر فى هذا للطرف الآخر وهم الشيعة لأنهم يستندون إلى هذه المصادر نفسها,

ولسنا نشك فى أن هذه المداخلة ( التوثيقية ) ضرورة ليس فقط لطرفى الحوار, وليس فقط للقراء, وإنما أيضًا للمتشككين فيما نكتبه, والمتصورين دائمًا وأبدًا سوء النية وفساد القصد, والمتخيلين أننا فيما نكتبه نأخذ بأطراف القول ولا ناخذ أنفسنا بالصعب من البحث والكثير من الجهد, والمرهق من تقصى الحقائق فى مصادرها,



وتبقى ملاحظة نراها هامة وهى أن من حق القارئ ـ إن شاء ـ أن يعبر هذه المداخلة حتى يستكمل الحوار, وأن يعود إليها ـ إن شاء ـ بعد أن يستكمله لكى يتأكد من صحة أسانيد الطرفين أو من أمانتنا فى التوثيق, والله, واحترام العقل وهو منهج إلهى ـ من وراء القصد ...



********************



المرجع الأول: صحيح البخارى


ورد فى صحيح البخارى أربعة أحاديث فى باب ( نهى رسول الله عن نكاح المتعة آخرًا ), وأحد هذه الأحاديث وهو حديث على بن أبى طالب تكرر فى ثلاثة مواضع أخرى من الصحيح كل منها فى باب مختلف مع اختلاف طفيف فى الرواية.



الحديث الأول ومكرراته:
يذكر الحديث عن على بن أبى طالب أن الرسول نهى عن زواج المتعة فى غزوة خيبر, وقد تكرر أربع مرات,

اثنتين دون ذكر المناسبة,

واثنتين تذكران المناسبة وهى الرد على عبد الله بن عباس ( أو على الناقلين عن ابن عباس ) الذى كان لا يرى بمتعة النساء بأسًا, وفيما يلى الأحاديث الأربعة:



1 ـ { 4825- حدثنا مالك بن إسماعيل: حدثنا ابن عيينة: أنه سمع الزهري يقول: أخبرني الحسن بن محمد بن علي، وأخوه عبد الله، عن أبيهما:

أن عليًا رضي الله عنه قال لابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية، زمن خيبر }. [ راجع : 3979]‏.

[ الحمر الأهلية أو الأنسبة يقصد بها: الحيوانات الأليفة التى تألف البيوت ].

[ جزء الثالث. 70 ـ كتاب النكاح. 32 ـ باب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرًا ].



2 ـ { 3979 ـ حدثني يحيى بن قزعة: حدثنا ملك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية }. [4825، 5203، 6560]

[ ش أخرجه مسلم في النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ. وفي الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، رقم: 1407 (متعة النساء) زواج المرأة لمدة معينة، بلفظ التمتع، على قدر من المال. كان مباحا ثم حرم باتفاق من يعتد به من علماء المسلمين ].‏[ صحيح البخاري: وجدت في: 36 - باب: غزوة خيبر].



3 ـ { 6560 ـ حدثنا مسدد: حدثنا يحيى، عن عبيد الله بن عمر: حدثنا الزُهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي، عن أبيهما:

أن علياً رضي الله عنه قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأساً، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية }. [ راجع :3979].

وقال بعض الناس: إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد. وقال بعضهم: النكاح جائز والشرط باطل.‏ [ صحيح البخاري وجدت في: 4 - باب: الحيلة في النكاح ]



4 ـ { 5203 ـ حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي رضي الله عنهم قال:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة عام خيبر، وعن لحوم حُمُر الإنسية }. [ راجع : 3979 ]‏ [ صحيح البخاري: الجزء الرابع. 75 - كتاب الذبائح والصيد. 28 - باب: لحوم الحُمُر الإنسية ].



الحديث الثانى:
يشير هذا الحديث إلى ترخيص عبدالله بن عباس فى متعة النساء ثم قصره الترخيص ( بعد مراجعته ) على الضرورة.


4826 - حدثنا محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن أبي جمرة قال:
سمعت ابن عباس: يسأل عن متعة النساء فرخص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة ؟ أونحوه، فقال ابن عباس: نعم

[ ش ( متعة النساء ) عقد الزواج على المرأة لمدة معينة، وقد نسخ أخيرا. ( الحال الشديد) أي حال كثرة الرجال وتوقانهم إلى النساء، مع قلة في النساء لا تسد هذه الحاجة، وعلى كل فهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما، والجمهور على خلافه، وأنما رخص بها بشروط وقيود كما ترى من الحديث، وقد نقل أن ابن جبير قال له: لقد سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء ؟ فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة، لا تحل إلا للمضطر].‏
[ صحيح البخاري : وجدت في: 32 - باب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرا ].

الحديث الثالث:
فى ترخيص رسول الله ـ ص ـ بالمتعة:

{ 4827 ـ حدثنا علي: حدثنا سفيان: قال عمرو، عن الحسن بن محمد، عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا:

كنا في جيش، فأتانا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا، فاستمتعوا }.

[ صحيح البخاري : الجزء الثالث. 70 - كتاب النكاح. 32 - باب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرا].

الحديث الرابع:
ورغم أن المتعة لم يرد صريحًا فى الحديث إلا أنه فى تقديرنا يختص بترخيص المتعة لسببين هامين:

أولهما ورود الحديث فى صحيح البخارى تحت عنوان نكاح المتعة

وثانيهما أن إطلاق الحديث دون قصره على المتعة دلالته خطيرة يأباها الإسلام والمسلمون ويأبون نسبتها لرسول الكريم.

{ وقال ابن أبي ذئب:

حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، عن رسول الله ـ ص ـ: ( أيما رجل وامرأة توافقا، فعشرة ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبا أن يتزايدا، أويتتاركا تتاركا ). فما أدري أشيء كان لنا خاصة، أم للناس عامة. قال أبوعبد الله: وبينه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منسوخ }.

[ ش أخرجه مسلم في النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ..، رقم: 1405

( توافقا ) في النكاح بينهما مطلق من غير ذكر أجل. ( فعشرة ما بينهما ) أي إن الإطلاق يحمل على معاشرة ثلاثة أيام بلياليها ].


المرجع الثانى: صحيح مسلم


وردت جميع الأحاديث فى كتاب النكاح ( كتاب 16 ),

وفى الباب الثالث منه وعنوانه: ( باب نكاح المتعة, وبيان أنه أبيح ثم نسخ, ثم أبيح ثم نسخ, واستقر تحريمه إلى يوم القيامة ).

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى: صحيح مسلم ـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ خمسة أجزاء.



واضح من العنوان رأى الإمام مسلم فى أن نكاح المتعة قد أبيح مرتين ونسخ مرتين,

وفى شرح الإمام النووى ( هامش ص 1022 ـ صحيح مسلم ـ المرجع السابق ) قال:

" الصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين: فكانت حلالاً قبل خيبر, ثم حرمت يوم خيبر, ثم أبيحت يوم فتح مكة, وهو يوم أوطاس, لاتصالهما, ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤيدًا إلى يوم القيامة, قال القاضى: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل ـ لا ميراث فيها, وفراقها يحصل بعد انقضاء الأجل من غير طلاق".



وقد ورد فى الباب المشار إليه تسعة وعشرون حديثًا أغلبها مكرر عن نفس المصادرمع اختلاف الرواية, لذا لزم تصنيفها وترتيبها وفقًا لمصدرها.



1 ـ أحاديث ثلاثة تمثل تكرارًا لحديث واحد عن عبدالله بن مسعود مع اختلاف طفيف فى الرواية, والأحاديث الثلاثة ترخّص بالمتعة دون ذكر للنهى عنها:


الحديث الأول : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمَدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ، وَابْنُ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ:

كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟

فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].



-----------------------------------------

اعلم أنَّ القاضي عياضاً بسط شرح هذا الباب بسطاً بليغاً وأتى فيه بأشياء نفيسة وأشياء يخالف فيها، فالوجه أن ننقل ما ذكره مختصراً ثمَّ نذكر ما ينكر عليه ويخالف فيه وننبِّه على المختار.

قال المازريُّ: ثبت أنَّ نكاح المتعة كان جائزاً في أوَّل الإسلام، ثمَّ ثبت بالأحاديث الصَّحيحة المذكورة هنا: أنَّه نسخ وانعقد الإجماع على تحريمه، ولم يخالف فيه إلاَّ طائفة من المستبدعة، وتعلَّقوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ذكرنا أنَّها منسوخة فلا دلالة لهم فيها، وتعلَّقوا بقوله تعالى: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] وفي قراءة ابن مسعود: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل} وقراءة ابن مسعود هذه شاذَّة لا يحتجّ بها قرآناً ولا خبراً ولا يلزم العمل بها.

قال: وقال زفر: من نكح نكاح متعة تأبَّد نكاحه، وكأنَّه جعل ذكر التَّأجيل من باب الشُّروط الفاسدة في النِّكاح فإنَّها تلغى ويصحُّ النِّكاح.

قال المازريُّ: واختلفت الرِّواية في ( صحيح مسلم ) في النَّهي عن المتعة، ففيه أنَّه ـ صَ ـ نهى عنها يوم خيبر، وفيه أنَّه نهى عنها يوم فتح مكَّة، فإن تعلَّق بهذا من أجاز نكاح المتعة وزعم أنَّ الأحاديث تعارضت، وأنَّ هذا الاختلاف قادح فيها.

قال القاضي عياض: روى حديث إباحة المتعة جماعة من الصَّحابة: فذكره مسلم من رواية ابن مسعود، وابن عبَّاس، وجابر، وسلمة بن الأكوع، وسبرة بن معبد الجهنيّ، وليس في هذه الأحاديث كلّها أنَّها كانت في الحضر وإنَّما كانت في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم وعدم النِّساء مع أنَّ بلادهم حارَّة وصبرهم عنهنَّ قليل. ( ج/ص: 9/180)

وقد ذكر في حديث ابن أبي عمر أنَّها كانت رخصة في أوَّل الإسلام لمن اضطرَّ إليها كالميتة ونحوها.

وعن ابن عبَّاس ـ رَض ـ نحوه.

وذكر مسلم عن سلمة بن الأكوع: إباحتها يوم أوطاس.

ومن رواية سبرة: إباحتها يوم الفَّتح وهما واحد ثمَّ حرِّمت يومئذ.

وفي حديث عليٍّ: تحريمها يوم خيبر وهو قبل الفتح.

وذكر غير مسلم عن عليّ أنَّ النَّبيَّ ـ صَ ـ نهى عنها في غزوة تبوك، من رواية إسحاق بن راشد، عن الزُّهريِّ، عن عبد الله بن محمَّد بن عليٍّ، عن أبيه، عن عليِّ ولم يتابعه أحد على هذا، وهو غلط منه.

وهذا الحديث: رواه مالك في ( الموطَّأ ) وسفيان بن عيينة، والعمريُّ، ويونس وغيرهم عن الزُّهريِّ، وفيه يوم خيبر.

وكذا ذكره مسلم عن جماعة عن الزُّهريِّ وهذا هو الصَّحيح.

وقد روى أبو داود من حديث الرَّبيع بن سبرة عن أبيه: النَّهي عنها في حجَّة الوداع.

قال أبو داود: وهذا أصحُّ ما روي في ذلك.

وقد روي عن سبرة أيضاً إباحتها في حجَّة الوداع ثمَّ نهى النَّبيُّ ـ صَ ـ عنها حينئذ إلى يوم القيامة.

وروي عن الحسن البصريّ: أنَّها ما حلَّت قط إلاَّ في عمرة القضاء.

وروي هذا عن سبرة الجهنيِّ أيضاً.

ولم يذكر مسلم في روايات حديث سبرة تعيين وقت إلاَّ في رواية محمَّد بن سعيد الدَّارميّ، ورواية إسحاق بن إبراهيم، ورواية يحيى بن يحيى، فإنَّه ذكر فيها يوم فتح مكَّة.

قالوا: وذكر الرِّواية بإباحتها يوم حجَّة الوداع خطأ لأنَّه لم يكن يومئذ ضرورة ولا عزوبة وأكثرهم حجُّوا بنسائهم.

والصَّحيح أنَّ الَّذي جرى في حجَّة الوداع مجرد النَّهي كما جاء في غير رواية، ويكون تجديده ـ صَ ـ النَّهي عنها يومئذ لاجتماع النَّاس وليبلِّغ الشَّاهد الغائب، ولتمام الدِّين وتقرّر الشَّريعة كما قرّر غير شيء، وبيَّن الحلال والحرام يومئذ، وبتَّ تحريم المتعة حينئذ لقوله: (إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ).

قال القاضي: ويحتمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر، وفي عمرة القضاء، ويوم الفتح، ويوم أوطاس، أنَّه جدَّد النَّهي عنها في هذه المواطن، لأنَّ حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مطعن فيه بل هو ثابت من رواية الثِّقات الأثبات، لكن في رواية سفيان أنَّه نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهليَّة يوم خيبر.

فقال بعضهم: هذا الكلام فيه انفصال، ومعناه: أنَّه حرَّم المتعة ولم يبيِّن زمن تحريمها.

ثمَّ قال: ولحوم الحمر الأهليَّة يوم خيبر، فيكون يوم خيبر لتحريم الحمر خاصَّة ولم يبيِّن وقت تحريم المتعة ليجمع بين الرِّوايات.

قال هذا القائل: وهذا هو الأشبه أنَّ تحريم المتعة كان بمكَّة، وأمَّا لحوم الحُمر فبخيبر بلا شكٍّ. ( ج/ ص: 9/181)

قال القاضي: وهذا أحسن لو ساعده سائر الرِّوايات عن غير سفيان.

لكن يبقى بعد هذا ما جاء من ذكر إباحته في عمرة القضاء ويوم الفتح ويوم أوطاس،

فتحتمل أنَّ النَّبيَّ ـ صَ ـ أباحها لهم للضَّرورة بعد التَّحريم ثمَّ حرَّمها تحريماً مؤبَّداً،

فيكون حرَّمها يوم خيبر، وفي عمرة القضاء،

ثمَّ أباحها يوم الفتح للضَّرورة، ثمَّ حرَّمها يوم الفتح أيضاً تحريماً مؤبَّداً.



وتسقط رواية إباحتها يوم حجَّة الوداع لأنَّها مرويَّة عن سبرة الجهنيِّ، وإنَّما روى الثِّقات الأثبات عنه الإباحة يوم فتح مكَّة.

والَّذي في حجَّة الوداع إنَّما هو: التَّحريم فيؤخذ من حديثه ما اتَّفق عليه جمهور الرُّواة ووافقه عليه غيره من الصَّحابة ـ رَض ـ من النَّهي عنها يوم الفتح، ويكون تحريمها يوم حجَّة الوداع تأكيداً وإشاعة له كما سبق.

وأمَّا قول الحسن: إنَّما كانت في عمرة القضاء لا قبلها ولا بعدها فتردّه الأحاديث الثَّابتة في تحريمها يوم خيبر وهي قبل عمرة القضاء، وما جاء من إباحتها يوم فتح مكَّة ويوم أوطاس، مع أنَّ الرِّواية بهذا إنَّما جاءت عن سبرة الجهنيِّ، وهو: راوي الرِّوايات الأخر وهي أصحّ فيترك ما خالف الصَّحيح.

وقد قال بعضهم: هذا ممَّا تداوله التَّحريم والإباحة والنَّسخ مرَّتين، واللَّه أعلم، هذا آخر كلام القاضي.

والصَّواب المختار: أنَّ التَّحريم والإباحة كانا مرَّتين، وكانت حلالاً قبل خيبر، ثمَّ حرِّمت يوم خيبر، ثمَّ أبيحت يوم فتح مكَّة وهو يوم أوطاس لاتِّصالهما، ثمَّ حرِّمت يومئذ بعد ثلاثة أيَّام تحريماً مؤبَّداً إلى يوم القيامة واستمرَّ التَّحريم.

وكان ابن عباس ـ رَض ـ يقول بإباحتها، وروي عنه أنَّه رجع عنه.

قال: وأجمعوا على أنَّه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه سواء كان قبل الدُّخول أو بعده إلاَّ ما سبق عن زفر.

واختلف أصحاب مالك هل يُحَدُّ الواطئ فيه؟

ومذهبنا: أنَّه لا يحدُّ لشبهة العقد وشبهة الخلاف، ومأخذ الخلاف اختلاف الأصوليِّين في أنَّ الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف وتصير المسألة مجمعاً عليها. (ج/ ص: 9/182)



الحديث الثانى:

{ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِير، عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ.

وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا هَذِهِ الآيَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: قَرَأَ عَبْدُ اللهِ }[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].





الحديث الثالث:

{ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإسْنَادِ.

قَالَ: كُنَّا -وَنَحْنُ شَبَابٌ- فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا نَسْتَخْصِي؟ وَلَمْ يَقُلْ: نَغْزُو}.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].



2ـ حديثان عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبدالله يفيدان ترخيص الرسول ـ ص ـ بالمتعة, دون ذكر للنهى عنهما:
الحديث الأول :

{ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالاَ:

خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ـ ص ـ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا ـ يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّسَاءِ ـ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].

قال القاضي: وأجمعوا على أنَّ من نكح نكاحاً مطلقاً ونيَّته أن لا يمكث معها إلاَّ مدَّة نواها، فنكاحه صحيح حلال وليس نكاح متعة، وإنَّما نكاح المتعة ما وقع بالشَّرط المذكور.

ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق النَّاس.

وشذَّ الأوزاعيُّ فقال: هو نكاح متعة ولا خير فيه، واللَّه أعلم.

قوله: ( فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟. فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) فيه: موافقة لما قدَّمناه في الباب السَّابق من تحريم الخصي لما فيه من تغيير خلق اللَّه، ولما فيه: من قطع النَّسل وتعذيب الحيوان، واللَّه أعلم.

قوله: ( رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي: بالثوب وغيره ممَّا نتراضى به.

قوله: ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ } فيه: إشارة إلى أنَّه كان يعتقد إباحتها، كقول ابن عبَّاس، وأنَّه لم يبلغه نسخها.



الحديث الثانى:

{ وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ـ يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ ـ حَدَّثَنَا رَوْحٌ ـ يَعْنِي: ابْنَ الْقاسِمِ ـ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ:

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ أَتَانَا، فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ }. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].

هكذا هو في بعض النُّسخ، وسقط في بعضها ذكر الحسن بن محمد، بل قال: عن عمرو بن دينار، عن سلمة وجابر.



3ـ ثلاثة أحاديث عن جابر بن عبدالله تفيد الاستمتاع على عهد الرسول وأبى بكر وعمر بن الخطاب, وأن الذى حرمها هو عمر:
الحديث الأول :

{ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ:

قَالَ عَطَاءٌ: قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مُعْتَمِراً، فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ.

فَقَالَ: نَعَمِ، اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].



الحديث الثانى:

{ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:

كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقُبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ وَأَبِي بَكْرٍ، حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ، فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].



الحديث الثالث:

{ حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ -يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ:

كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ.

فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1023 ].



4ـ حديث يفيد ترخيص الرسول ـ ص ـ بالمتعة عام أوطاس ثم نهيه عنها:


{ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلاَثاً، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا }. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1023 ].



5ـ أحاديث سبرة الجهنى وهى اثنا عشر حديثًا:
وهى تحكى قصة سبرة وصاحبه مع جارية من بنى عامر, وكيف تمتعا بعد أن أذن الرسول بالمتعة, ثم كيف حرّم الرسول المتعة بعد ذلك ( إلى يوم القيامة فى بعض الروايات )

واثنان من هذه الأحاديث يقتصران على النهى دون القصة ودون ذكر لحلها سابقًا:


الحديث الأول :

{ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ سَبْرَةَ أَنَّه قَالَ:

أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ بِالْمُتْعَةِ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ، فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا.

فَقَالَتْ: مَا تُعْطِي؟

فَقُلْتُ: رِدَائِي.


انتهى